تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
الحياة الدنيا
وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أي : يظنون ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بالكسر
أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
أي : عملا يجازون عليه لاعتقادهم أنهم على الحق . ثم بيّن تعالى السبب في بطلان سعيهم بقوله تعالى :
أُولئِكَ
أي : البعداء البغضاء
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
أي : بدلائل توحيده من القرآن وغيره
وَلِقائِهِ
أي : رؤيته لأنه يقال : لقيت فلانا أي : رأيته فإن قيل : اللقاء عبارة عن الوصول قال تعالى :
فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
[ القمر ، 12 ] وذلك في حق اللّه تعالى محال فوجب حملة على لقاء ثواب اللّه تعالى كما قال بعض المفسرين أجيب : بأنّ لفظ اللقاء ، وإن كان عبارة عن الوصول إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور والذي يقول : إن المراد لقاء ثواب اللّه قال : لا يتم إلا بالإضمار وحمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما يحتاج إلى الإضمار ، ثم قال تعالى :
فَحَبِطَتْ
أي : فبسبب جحدهم الدلائل بطلت
أَعْمالُهُمْ
فصارت هباء منثورا فلا يثابون عليها ، وفي قوله تعالى :
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
قولان : أحدهما : أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار ، تقول العرب : ما لفلان عندي وزن أي : قدر لخسته ، وروى أبو هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند اللّه جناح بعوضة » ، وقال : اقرؤوا إن شئتم
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً »
« 1 » ، الثاني : لا نقيم لهم ميزانا لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات ، وقال أبو سعيد الخدري : تأتي ناس بأعمالهم يوم القيامة عندهم في التعظيم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى :
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً .
ولما كان هذا السياق في الدلالة على أنّ لهم جهنم أوضح من الشمس قال تعالى :
ذلِكَ
أي : الأمر العظيم الذي بيّناه من وعيدهم
جَزاؤُهُمْ
ثم بيّن ذلك الجزاء بقوله تعالى :
جَهَنَّمُ
وصرّح بالسببية بقوله تعالى :
بِما كَفَرُوا
أي : بما أوقعوا التغطية للدلائل
وَاتَّخَذُوا آياتِي
الدالة على وحدانيتنا
وَرُسُلِي
المؤيدين بالمعجزات الظاهرات
هُزُواً
أي : مهزوءا بهما فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزو الذي هو أعظم احتقارا . ولما بيّن سبحانه وتعالى ما لأحد قسمي أهل الجمع تنفيرا عنهم بيّن ما للآخرين على تقدير الجواب لسؤال يقتضيه الحال ترغيبا في اتباعهم والاقتداء بهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
أي : باشروا الإيمان
وَعَمِلُوا
تصديقا لإيمانهم
الصَّالِحاتِ
من الخصال
كانَتْ لَهُمْ
أي : في علم اللّه قبل أن يخلقوا البناء أعمالهم على الأساس
جَنَّاتُ
أي : بساتين
الْفِرْدَوْسِ
أي : أعلى الجنة وأوسطها والإضافة إليه للبيان ، روي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا سألتم اللّه تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة » « 2 » وقال كعب : ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، وقال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها ، وقال كعب : الفردوس هو بستان الجنة الذي فيه الأعناب ، وقال مجاهد : هو البستان بالرومية ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4729 ، ومسلم في القيامة حديث 2785 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 2790 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 452 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين