تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
وقال الزجاج : هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية ، وقال عكرمة : هي الجنة بلسان الحبش ، وقال الضحاك : هي الجنة الملتفة الأشجار
نُزُلًا
أي : منزلا كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلا . وقوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها
حال مقدرة
لا يَبْغُونَ
أي : لا يريدون أدنى إرادة
عَنْها حِوَلًا
أي : تحويلا إلى غيرها ، قال ابن عباس : لا يريدون أن يتحوّلوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى . ولما ذكر تعالى في هذه السورة أنواع الدلائل والبيّنات وشرح فيها أقاصيص الأوّلين والآخرين نبه على حال كمال القرآن بقوله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ
يا أشرف الخلق للخلق
لَوْ كانَ الْبَحْرُ
أي : ماؤه على عظمته عندكم
مِداداً
وهو اسم لما يمدّ به الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج
لِكَلِماتِ
أي : لكتب كلمات
رَبِّي
أي : المحسن إليّ
لَنَفِدَ
أي : فني مع الضعف فناء لا تدارك له
الْبَحْرُ
لأنه جسم متناه
قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ
أي : تفنى وتفرغ
كَلِماتُ رَبِّي
لأنّ معلوماته تعالى غير متناهية والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية على التذكير والباقون بالفوقية على التأنيث . ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال تعالى :
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ
أي : بمثل البحر الموجود
مَدَداً
أي : زيادة ومعونة ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان ، 27 ] ، واختلف في سبب نزول هذه الآية ، فقال البغوي وابن عباس : قالت اليهود : تزعم يا محمد أنا قد أوتينا الحكمة ، وفي كتابك
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة ، 269 ] ، ثم تقول :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء ، 85 ] ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وقال البيضاوي : وسبب نزولها أن اليهود قالوا : في كتابكم
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
وتقرؤون
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
انتهى . وقال في « الكشاف » : يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات اللّه ، وقيل : لما نزل
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
قالت اليهود : أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . ولما كانوا ربما قالوا : ما لك لا تحدّث من هذه الكلمات بكل ما سألنا عنه قال اللّه تعالى :
قُلْ
يا خير الخلق لهم
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ
في استبداد القدرة على إيجاد المعدوم والإخبار بالغيب
مِثْلُكُمْ
أي : لا أمر لي ولا قدرة إلا ما يقدرني ربي عليه ولكن
يُوحى إِلَيَّ
أي : من اللّه تعالى الذي خصني بالرسالة كالوحي إلى الرسل قبلي
أَنَّما إِلهُكُمْ
الذي يجب أن يعبد
إِلهٌ واحِدٌ
لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها قادر على ما يريد ، لا منازع له لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا من جهل هذا الذي يعني كل أحد علمه ، وأما ما سألتم عنه في أمر الروح والقصتين تعنتا لي فأمر لو جهلتموه ما ضرّكم جهله
فَمَنْ
أي : فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من
كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ
أي : يخاف المصير إليه ، وقيل : يأمل رؤية ربه والرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا قال الشاعر « 1 » :
فلا كل ما ترجو من الخير كائن * ولا كل ما ترجو من الشر واقع
فجمع بين المعنيين
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
ولو قليلا
صالِحاً
يرتضيه اللّه
وَلا يُشْرِكْ
أي : وليكن ذلك العمل مبنيا على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء
بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
فإذا عمل
هامش
( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 453 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين