وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ؛
لأنّ الغفلة معنى يمنع الإنسان عن الوقوف على حقائق الأمور ، وقيل : حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ، وهذا في حق اللّه تعالى محال ، والمقصود من ذلك التنبيه على أنه ينتقم للمظلوم من الظالم ، ففيه وعيد وتهديد للظالم ، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلا عنه ، وعن سفيان بن عيينة فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، فقيل له : من قال هذا ؟ فغضب ، وقال : إنما قاله من علمه .
فإن قيل : كيف يليق به صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحسب اللّه موصوفا بالغفلة وهو أعلم الناس به ؟ أجيب :
بوجوه : الأوّل : أنّ المراد به التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب اللّه غافلا كقوله :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ القصص ، 88 ] . والثاني : أنّ المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم . والثالث : أنّ المراد ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير . والرابع : أن يكون هذا الكلام وإن كان خطابا مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطابا مع الأمّة . ثم بيّن تعالى أنه
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ،
أي : عذابهم
لِيَوْمٍ
موصوف بخمس صفات الصفة الأولى : قوله تعالى :
تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ،
أي : أبصارهم لا تقرّ مكانها من هول ما ترى في ذلك اليوم .
الصفة الثانية : قوله تعالى :
مُهْطِعِينَ ،
أي : مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطرقون هيبة وخوفا . وقيل : المهطع الخاضع الذليل الساكن .
الصفة الثالثة : قوله تعالى :
مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ،
أي : رافعيها إذ الإقناع : رفع الرأس إلى فوق ، فأهل الموقف من صفتهم أنهم رافعوا رؤوسهم إلى السماء ، وهذا بخلاف المعتاد ؛ لأنّ من يتوقع البلاء يطرق بصره إلى الأرض . وقال الحسن : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد .
الصفة الرابعة : قوله تعالى :
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ،
أي : بل تثبت عيونهم شاخصة لا يطرفون بعيونهم ، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان قد شغلهم ما بين أيديهم .
الصفة الخامسة : قوله تعالى :
وَأَفْئِدَتُهُمْ ،
أي : قلوبهم
هَواءٌ ،
أي : خالية من العقل لفرط الحيرة والدهشة . وقال قتادة : خرجت قلوبهم عن صدورهم ، فصارت في حناجرهم ، فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها .
تنبيه : اختلفوا في وقت حصول هذه الصفات ، فقيل : إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك بأنه يقوم الحساب ، وقيل : إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق ، فالسعداء يذهبون إلى الجنة والأشقياء إلى النار . وقيل : يحصل عند إجابة الداعي والقيام من