تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم ، ويحتمل أن يكون المراد بإيصال بعض الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات كما قال تعالى :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ القصص ، 57 ] حتى توجد فيه الفواكه الصيفية والربيعية والخريفية في يوم واحد ، وليس ذلك من آياته بعجب ، وأن يكون المراد عمارة القرى بالقرب منها لتحصل تلك الثمار . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : كانت الطائف من أرض فلسطين ، فلما قال إبراهيم ذلك رفعها اللّه فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم .
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
يدلّ على أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات ، فإنّ إبراهيم عليه السّلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرّغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات . ولما طلب عليه السّلام من اللّه تعالى تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهاية الأمور في المستقبل ، فإنه تعالى هو العالم بها والمحيط بأسرارها فقال :
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي ،
أي : نسر
وَما نُعْلِنُ
وهذا هو المطلوب الرابع : والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل ، وما نعلن من البكاء ، وقيل : ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع : إلى من تكلنا ؟ قال : إلى اللّه أكلكم قالت : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذا لا يضيعنا . واختلف في قوله تعالى :
وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
فقيل : من تتمة قول إبراهيم عليه السّلام يعني : وما يخفى على اللّه الذي هو عالم الغيب من شيء في أيّ مكان ، والأكثرون على أنه قول اللّه تعالى تصديقا لإبراهيم فيما قال ، كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
[ النمل ، 34 ] ولفظة من تفيد الاستغراق ، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ما . ولما تم إبراهيم عليه السّلام ما دعا به أتبعه الحمد على ما رزقه من النعم بقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
أي : المستجمع لصفات الكمال
الَّذِي وَهَبَ لِي ،
أي : أعطاني
عَلَى الْكِبَرِ ،
أي : وهب لي وأنا كبير آيس من الولد ، قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة وإظهارا لما فيه من المعجزة
إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
ومقدار ذلك السنّ غير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات ، فقال ابن عباس : ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وولد له إسحاق وهو ابن مئة واثنتي عشرة سنة . فإن قيل : إنّ إبراهيم عليه السّلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وأمّه في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد إسحاق ، فكيف يمكنه أن يقول ذلك ؟ أجيب : بأن هذا يقتضي أنّ إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في زمن آخر لا عقب ما تقدّم من الدعاء . قال الرازي : ويمكن أيضا أن يقال : إنه عليه السّلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق ، وإن كان ظاهر الروايات بخلافه انتهى . تنبيه : قوله
عَلَى الْكِبَرِ
بمعنى مع كقوله « 1 » :
إني على ما ترين من كبري * أعلم من حيث يؤكل الكتف
وهو في موضع الحال . ولما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإفصاح
هامش
( 1 ) البيت من المنسرح ، وهو لقيس بن الخطيم في ديوانه ص 239 ، وبلا نسبة في الإيضاح في علوم البلاغة 1 / 194 ، وشرح كتاب الأمثال للبكري 1 / 142 .