تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
إلى الحمرة ، وقوله : ليس فيها علم لأحد يعني : ليس فيها علامة لأحد لتبديل هيئتها وصفتها وزوال جبالها وجميع بنائها ، فلا يبقى فيها أثر يستدلّ به . وعن ابن مسعود أنه قال : تبدل الأرض بأرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم ، ولم تعمل عليها خطيئة . وقال عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : الأرض من فضة والسماء من ذهب . وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير : تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه . وعن الضحاك أيضا : من فضة كالصحائف . وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية فأين يكون الناس يومئذ يا رسول اللّه ؟ فقال : « على الصراط » « 1 » . أخرجه مسلم . وروى ثوبان أنّ حبرا من اليهود سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أين تكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض ؟ قال : « هم في الظلمة دون الجسر » « 2 » . قال الرازي : واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسماوات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم والسماوات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
[ المطففين ، 18 ] . وقوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
[ المطففين ، 7 ] .
وَبَرَزُوا ،
أي : خرجوا من قبورهم
لِلَّهِ ،
أي : لحكمه والوقوف بين يديه تعالى للحساب
الْواحِدِ ،
أي : الذي لا شريك له
الْقَهَّارِ ،
أي : الذي لا يدافعه شيء عن مراده كما قال تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر ، 16 ] . ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم بقوله تعالى :
وَتَرَى
يا محمد ، أي : تبصر
الْمُجْرِمِينَ ،
أي : الكافرين
يَوْمَئِذٍ ،
أي : يوم القيامة ، ثم ذكر تعالى من صفات عجزهم وذلتهم أمورا : الصفة الأولى : قوله تعالى :
مُقَرَّنِينَ ،
أي : مشدودين
فِي الْأَصْفادِ
جمع صفد وهو القيد . قال الكلبي : كل كافر مع شيطان في غل . وقال عطاء : وهو معنى قوله تعالى :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
[ التكوير ، 7 ] ، أي : قرنت فتقرن نفوس المؤمنين بنفوس الحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وقيل : هو قرن بعض الكفار ببعض فتضم تلك النفوس الشقية والأرواح الكدرة الظلمانية بعضها إلى بعض لكونها متشاكلة متجانسة ، وتنادى ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى . وقال ابن زيد : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال . الصفة الثانية : قوله تعالى :
سَرابِيلُهُمْ ،
أي : قمصهم جمع سربال وهو القميص
مِنْ قَطِرانٍ
وهو شيء يتحالب من شجر يسمى الأبهل ، فيطبخ وتطلى به الإبل الجربى ، فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أنه يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح ، فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء كالسرابيل ، فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب : لذع القطران ، وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم ، واللون الوحش ، ونتن الريح ، وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين . الصفة الثالثة : قوله تعالى :
وَتَغْشى ،
أي : تعلو
وُجُوهَهُمُ النَّارُ
ونظيره قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ
[ الزمر ، 24 ] . وقوله تعالى :
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القيامة حديث 2791 ، والترمذي في التفسير حديث 3121 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4279 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الحيض حديث 315 .