تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
والتصريح قال :
إِنَّ رَبِّي ،
أي : المحسن إليّ
لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ،
أي : لمجيبه . فإن قيل : اللّه تعالى يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه ؟ أجيب : بأن هذا من قولك : سمع الملك كلامي إذا اعتدّ به وقبله ، ومنه سمع اللّه لمن حمده . المطلوب الخامس : قوله :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ،
أي : معدّلا لها مواظبا عليها . تنبيه : في الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ؛ لأنّ قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
يدل على أنّ ترك المنهيات لا يحصل إلا من اللّه تعالى . وقوله :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ
يدل على أنّ فعل المأمورات لا يحصل إلا من اللّه تعالى ، وذلك تصريح بأنّ إبراهيم عليه السّلام كان مصرا على أنّ الكل من اللّه تعالى ، وقوله تعالى :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
عطف على المنصوب في اجعلني ، أي : واجعل بعض ذريتي كذلك ؛ لأن كلمة من في قوله
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
للتبعيض ، وأما ذكر هذا التبعيض ، فلأنه علم بإعلام اللّه تعالى أنه يكون في ذرّيته جمع من الكفار وذلك قوله تعالى :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة ، 124 ] . المطلوب السادس : أنه عليه السّلام لما دعا اللّه تعالى في المطالب المذكورة دعا اللّه تعالى في أن يقبل دعاءه فقال :
رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ .
قال ابن عباس : يريد عبادتي بدليل قوله تعالى :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ مريم ، 48 ] . وقيل : دعائي المذكور . المطلوب السابع قوله :
رَبَّنَا ،
أي : أيها المالك لأمورنا المدبر لنا
اغْفِرْ لِي
فإن قيل : إنّ طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة ذنب أجيب : بأن المقصود من ذلك الالتجاء إلى اللّه تعالى ، وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته ، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال :
وَلِوالِدَيَّ
فإن قيل : كيف جاز أن يستغفر لوالديه وكانا كافرين ؟ أجيب بوجوه : الأول : أنّ المنع منه لا يعلم إلا بتوقيف ، فلعله لم يجد منه منعا وظنّ كونه جائزا ، الثاني : أراد بوالديه آدم وحواء ، الثالث : كان ذلك بشرط الإسلام ، وقال بعضهم : كانت أمّه مؤمنة ولذلك خص أباه بالذكر في قوله :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
[ التوبة ، 114 ] . ثم دعا لمن تبعه في الدين من ذريته وغيرهم بقوله
وَلِلْمُؤْمِنِينَ ،
أي : العريقين في هذا الوصف
يَوْمَ يَقُومُ ،
أي : يبدو ويظهر
الْحِسابُ
وقيل : أراد يوم يقوم الناس فيه للحساب ، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما عند السامع ، وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة ، واللّه تعالى لا يردّ دعاء خليله إبراهيم عليه السّلام ، وفيه بشارة عظيمة للمؤمنين بالمغفرة ، فنسأل اللّه تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأحبابنا ولمن نظر في هذا التفسير ، ودعا لمن كان سببا فيه بالمغفرة . ولما بيّن تعالى دلائل التوحيد ، ثم حكى عن إبراهيم عليه السّلام أنه طلب من اللّه تعالى أن يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة ، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة عقبه بقوله تعالى مخاطبة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 42 إلى 52 ]

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 )
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 211 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين