تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الر
تقدّم الكلام عليها أول يونس وهود . وقوله تعالى :
كِتابٌ
خبر لمبتدأ محذوف ، أي : هذا القرآن كتاب ، أو الر ، إن قلنا : إنها مبتدأ والجملة بعده صفة ، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة بعده وجاز الابتداء بالنكرة ؛ لأنها موصوفة تقديرا ، تقديره كتاب ، أي : كتاب يعني عظيما من بين الكتب السماوية
أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ
يا أشرف الخلق عند اللّه تعالى
لِتُخْرِجَ النَّاسَ ،
أي : عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم
مِنَ الظُّلُماتِ ،
أي : الكفر وأنواع الضلالة
إِلَى النُّورِ ،
أي : الإيمان والهدى . قال الرازي : والآية دالة على أنّ طرق الكفر والبدع كثيرة وأنّ طريق الحق ليس إلا واحدا ؛ لأنه تعالى قال :
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ
وهي صيغة جمع ، وعبر عن الإيمان والهدى بالنور ، وهو لفظ مفرد وذلك يدل على أنّ طرق الجهل والكفر كثيرة وأنّ طريق العلم والإيمان ليس إلا واحدا . تنبيه : القائلون بأن معرفة اللّه تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول ، احتجوا بهذه الآية ، وذلك يدلّ على أنّ معرفة اللّه تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم . وأجيب : بأنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كالمنبه وأمّا المعرفة فهي إنما تحصل من الدليل وقوله تعالى :
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
متعلق بالإخراج ، أي : بتوفيقه وتسهيله ، ويبدل من إلى النور
إِلى صِراطِ ،
أي : طريق
الْعَزِيزِ ،
أي : الغالب
الْحَمِيدِ ،
أي : المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد . وفي قوله :
اللَّهِ
قراءتان ، فقرأ نافع وابن عامر برفع الهاء وصلا وابتداء على أنه مبتدأ خبره
الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ،
أي : ملكا وخلقا ، وقرأ الباقون بالجرّ على أنه بدل أو عطف بيان وما بعده صفة . تنبيه : ذهب جماعة من المحققين إلى أنّ قولنا : اللّه جار مجرى الاسم العلم لذات اللّه سبحانه وتعالى ، وذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق . قال الرازي : والحق عندنا هو الأوّل ؛ لأنّ الأمّة لما اجتمعت على أنّ قولنا : لا إله إلا اللّه يوجب التوحيد المحض علمنا أنّ قولنا : اللّه جار مجرى الاسم العلم . وقد قال تعالى :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[ مريم ، 65 ] ، أي : هل تعلم من اسمه اللّه غير اللّه ، وذلك يدل على قولنا : اللّه اسم لذاته المخصوصة ، ولذا استشكل قراءة الجرّ إذ الترتيب الحسن أن يذكر الاسم ، ثم يذكر عقبه الصفات كقوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[ الحشر ، 24 ] وأمّا الخالق اللّه فلا يحسن . وأجيب عن ذلك بأنه لا يبعد أن تذكر الصفة أوّلا ، ثم يذكر الاسم ثم تذكر الصفة مرّة أخرى كما يقال : مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه ، وهو بعينه نظير قوله تعالى :
صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
والآية تفيد حصر ما في السماوات وما في الأرض له لا لغيره ، وذلك ليدلّ على أنه لا مالك إلا اللّه ، ولا حاكم إلا اللّه ، وأنه تعالى خالق لأعمال العباد ؛ لأنها حاصلة في السماوات والأرض ، فوجب القول بأنّ أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له ، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة للّه ، وإذا ثبت أنها مقدورة للّه وجب وقوعها بقدرة اللّه ، وإلا لكان العبد قد منع اللّه تعالى من إيقاع مقدوره ، وذلك محال ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال تعالى :
وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ ،
أي : الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، وعبدوا من لا يملك شيئا البتة ، بل هو