تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الحرب والحرث ، والمقصود من هذا بيان منافعها
زَبَدٌ مِثْلُهُ ،
أي : مثل زبد السيل ، وهو خبثه الذي ينفيه الكير ، ومن للابتداء أو للتبعيض . وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به ، والباقون بالتاء على الخطاب
كَذلِكَ ،
أي : مثل هذا الضرب العلي الرتب المتبين السبب
يَضْرِبُ اللَّهُ ،
أي : الذي له الأمر كله
الْحَقَّ وَالْباطِلَ ،
أي : مثلهما ، فإنه تعالى مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء ، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة ، فينتفع به أنواع المنافع ، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه ، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار ، ومثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وهو قوله تعالى :
فَأَمَّا الزَّبَدُ ،
أي : من السيل وما أوقد عليه من الجواهر
فَيَذْهَبُ جُفاءً .
قال أبو حيان : مضمحلا ، أي : متلاشيا لا منفعة فيه ولا بقاء له . وقال ابن الأنباري : متفرّقا ، وانتصابه على الحال .
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ
من الماء ومن الجواهر الذي هو مثل الحق .
فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ،
أي : يثبت ويبقى لينتفع به أهلها
كَذلِكَ ،
أي : مثل ذلك الضرب
يَضْرِبُ ،
أي : يبين
اللَّهُ
الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة
الْأَمْثالَ
فيجعلها في غاية الوضوح ، وإن كانت في غاية الغموض . قال أهل المعاني : هذا مثل ضربه اللّه تعالى للحق والباطل ، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال ، فإن اللّه يمحقه ويبطله ، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء ، فيذهب الزبد فيبقى الماء الصافي الذي ينفع ، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى ، ويذهب العلو الذي هو الكدر وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل . وقيل : هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس ، ومثل الكافر وخبث اعتقاده كمثل الزبد الذي لا ينتفع به البتة . ثم إنه تعالى لما ذكر الحق والباطل ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب فقال تعالى :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ،
أي : أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوّة وبعث الأموات ، والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
الْحُسْنى
قال ابن عباس وقال أهل المعاني : الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرّة الدائمة الخالصة عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال ، ولم يذكر تعالى الزيادة هاهنا ؛ لأنه تعالى ذكرها في سورة أخرى وهي قوله تعالى
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس ، 26 ] هذا ما لأهل الحق ، وأمّا ما لأهل الباطل فهو ما ذكره بقوله جل من قائل :
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ
وهم الكفرة فلهم أنواع ثلاثة من العذاب والعقوبة ، فالنوع الأوّل قوله تعالى :
لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ،
أي : جعلوه فكاك أنفسهم بغاية جهدهم ؛ لأنّ المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما هو سواه فهو إنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته ، فإذا كانت النفس في الضر والألم والتعب وكان مالكا لما يساوي عالم الأجناس والأرواح ، فإنه يرضى بأن يجعله فداء نفسه ؛ لأنّ المحبوب بالعرض لا بدّ وأن يكون فداء لما كان محبوبا بالذات ، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض . والنوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده اللّه تعالى لهم ما ذكره بقوله تعالى :
أُولئِكَ لَهُمْ
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 173 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين