تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
صاحبكم فقالوا : من أين علمتم ؟ فقالوا : أوحى اللّه تعالى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ »
« 1 » .
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
واختلف المفسرون في قوله تعالى :
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
فقال عليّ رضي اللّه عنه : شديد الأخذ . وقال ابن عباس : شديد الحول . وقال مجاهد : شديد القوة . وقال أبو عبيدة : شديد القوة والمغالبة . واختلف في قوله تعالى :
لَهُ ،
أي : لله
دَعْوَةُ الْحَقِّ
فقال عليّ : دعوة الحق التوحيد . وقال ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا اللّه . وقال الحسن : الحق هو اللّه تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق .
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ ،
أي : وهم الكفار .
مِنْ دُونِهِ ،
أي : غير اللّه وهي الأصنام
لا يَسْتَجِيبُونَ ،
أي : الأصنام
لَهُمْ ،
أي : الكفار
بِشَيْءٍ
مما يطلبونه من نفع أو دفع ضر
إِلَّا ،
أي : الاستجابة
كَباسِطِ ،
أي : كاستجابة باسط
كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ ،
أي : على شفير البئر يدعوه
لِيَبْلُغَ فاهُ ،
أي : بارتفاعه من البئر إليه
وَما هُوَ ،
أي : الماء
بِبالِغِهِ ،
أي : فاه أبدا ؛ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته ، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم أبدا ؛ لأنّ أصنامهم كذلك ، وقيل : شبهوا في قلة فائدة دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسط كفيه ناشرا أصابعهما ، ولم يصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من مشربه ، ثم إنه تعالى عمم في أنه لا يستجاب لهم بقوله تعالى :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ،
أي : ضياع لا منفعة فيه ؛ لأنهم إن دعوا اللّه لم يجبهم وإن دعوا آلهتهم لم تستطع إجابتهم ، وقيل : المراد بالدعاء في الحالين العبادة . وقوله تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يحتمل أن يراد به السجود على حقيقته وهو وضع الجبهة ، وعلى هذا فيكون قوله تعالى :
طَوْعاً
للملائكة والمؤمنين من الثقلين حالتي الشدّة والرخاء وقوله تعالى :
وَكَرْهاً
للكافرين والمنافقين الذين أكرهوا على السجود بالسيف وأن يراد به التعظيم والاعتراف بالعبودية ، فكل من السماوات والأرض معترف بعبودية اللّه تعالى كما قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف ، 87 ] وأن يراد به الانقياد والخضوع وترك الامتناع ، وكل من في السماوات والأرض ساجد للّه بهذا المعنى ؛ لأنّ قدرته ومشيئته نافذة في الكل . تنبيه : قوله تعالى :
طَوْعاً وَكَرْهاً
إمّا مفعول من أجله وإمّا حال ، أي : طائعين وكارهين . واختلف في تفسير قوله تعالى :
وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ ،
أي : البكر
وَالْآصالِ ،
أي : العشايا ، أي : تسجد فقال أكثر المفسرين : كل شخص سواء كان مؤمنا أو كافرا ، فإن ظله يسجد للّه . قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد للّه تعالى وهو طائع ، وظل الكافر يسجد للّه تعالى وهو كاره . وقال الزجاج : جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير اللّه وظله يسجد للّه . قال ابن الأنباريّ : ولا يبعد أن يخلق اللّه تعالى في الظلال عقولا وأفهاما تسجد بها للّه وتخشع . وقيل : المراد من سجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس وهي منقادة مسلسلة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب . وإنما خص الغدوّ والآصال
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 9 / 296 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 171 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين