تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيق قد خنقه ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض » « 1 » . وقال ابن عباس : يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سوء غيرهم . وعن الحسن إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا . وعن ابن عمر : ليس الواصل من وصل ، ثم وصل تلك مجازاة لكن من قطع ثم وصل وعطف من لم يصله ، وليس الحليم من ظلم ، ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج لكن الحليم من قدر ثم عفا . وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا ، وقيل : إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره ، وروي أنّ شقيقا البلخي دخل على ابن المبارك متنكرا فقال له : من أين أنت ؟ فقال : من بلخ . فقال : وهل تعرف شقيقا ؟ قال : نعم . فقال : وكيف طريقة أصحابه ؟ قال : إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا . فقال ابن المبارك : طريقة كلابنا هكذا . فقال شقيق : فكيف ينبغي أن يكون الأمر ؟ فقال : الكاملون هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا .
أُولئِكَ ،
أي : العالو الرتبة
لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ .
وبينها تعالى بقوله :
جَنَّاتُ عَدْنٍ ،
أي : إقامة لا انفكاك لها يقال : عدن بالمكان إذا أقام به ، ثم استأنف بيان تمكنهم بها بقوله تعالى :
يَدْخُلُونَها
ولما كانت الدار لا تطيب بدون الأحبة قال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع :
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ ،
أي : الذين كانوا سببا في إيجادهم ، فيشمل ذلك الآباء والأمهات وإن علوا
وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ،
أي : الذين تسببوا عنهم ، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم ، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم ، ويقال : إنّ من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكروا اللّه تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة ، ولذلك قال اللّه تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون :
يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
[ يس : 26 ، 27 ] . وفي ذلك دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة ، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم ، والتقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرد الأنساب لا تنفع . وفسر ابن عباس الصلاح بالتصديق فقال : يريد من صدّق بما صدّقوا وإن لم يعمل مثل أعمالهم ، قال الرازي : قوله
وَأَزْواجِهِمْ
ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة ، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه ، وما روي عن سودة أنها لما همّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بطلاقها قالت : دعني يا رسول اللّه أحشر في جملة نسائك . كالدليل على ما ذكرنا اه . وعلى هذا من تزوجت بغيره قيل : إنها تتخير بينهما . ثم زاد تعالى في ترغيبهم بقوله تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ
لأنّ الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز . ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب والكرم قال تعالى :
مِنْ كُلِّ بابٍ
قال ابن عباس : لهم خيمة من درّة مجوّفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 145 ، والتبريزي في مشكاة المصابيح 2375 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 10120 ، والطبراني في المعجم الكبير 17 / 284 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 201 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 4 / 106 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 176 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين