تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
المزجاة القليلة ، واختلفوا في تلك الرداءة . فقال ابن عباس : كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام ، وقيل : متاع الأعراب الصوف والسمن ، وقيل : الأقط ، وقيل : النعال والأدم وقيل : إنّ دراهم مصر كان ينقش فيها صورة يوسف عليه السّلام ، والدراهم التي جاؤوا بها ما كان فيها ذلك فما كانت مقبولة عند الناس ، ثم سببوا عن هذا الاعتذار ؛ لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم قولهم :
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ،
أي : شفقة علينا بسبب ضعفنا
وَتَصَدَّقْ ،
أي : تفضل
عَلَيْنا
زيادة على الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه ، ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين اللّه تعالى عللوا ذلك بقولهم :
إِنَّ اللَّهَ ،
أي : الذي له الكمال كله
يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ،
أي : وإن كانت على غني قوي ، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف . فائدة : سئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على نبي من الأنبياء سوى نبينا عليه وعليهم الصلاة والسّلام ؟ قال سفيان : ألم تسمع قوله :
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا . .
الآية يريد أن الصدقة كانت حلالا لهم ولأبيهم . وروي أنّ الحسن سمع رجلا يقول : اللهم تصدّق عليّ قال : إنّ اللّه لا يتصدّق وإنما يتصدّق من يبغي الثواب قل : اللهم أعطني وتفضل عليّ . فإن قيل : إذا كان أبوهم أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه فلم عادوا إلى الشكوى ؟ أجيب : بأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق والاعتراف بالعجز ، وضموا رقة الحال وقلة المال وشدّة الحاجة ، وذلك مما يرقق القلب فقالوا : نجربه في هذه الأمور ، فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا ، فقدّموا هذه المقدّمة قال أبو إسحاق : ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة على إخوته فارفض دمعه فباح بالذي كان يكتم فلهذا .
قالَ
لهم
هَلْ عَلِمْتُمْ
مقرّرا لهم بعد أن استأنسوا به ، قال البقاعي : والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان
ما ،
أي : قبح الذي
فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ،
أي : أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه
وَأَخِيهِ
في جعلكم أباه فريدا منه ذليلا بينكم ، ثم في قولكم له لما وجد الصاع في رحله : لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل ، وإنما قال لهم ذلك نصحا لهم وتحريضا على التوبة وشفقة عليهم لما رأي من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا ، وقيل : أعطوه كتاب يعقوب عليه السّلام في تخليص بنيامين ، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه ، فقال لهم ذلك وقوله :
إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ،
أي : فاعلون فعلهم ؛ أو لأنهم كانوا حينئذ صبيانا طياشين تلويحا إلى معرفته ، فقد روي أنه لما قال هذا تبسم وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله منه من رآه ولو مرّة واحدة فعرفوه بذلك فلذلك .
قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ
استفهام تقرير ، ولذلك حقق بأن واللام عليه ، وقيل : عرفوه بنظره وخلقه حين كلمهم ، وقيل : رفع التاج عن رأسه فرآوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء ، وكان لسارة ويعقوب وإسحاق مثلها . وقرأ ابن كثير بهمزة مكسورة بعدها نون على الخبر ، وقرأ قالون وأبو عمرو بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة مسهلة بينهما ألف على الاستفهام ، وقرأ ورش بغير ألف بينهما ، والتسهيل في الثانية على الاستفهام أيضا ، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين مع القصر ، ولهشام وجه ثان وهو المدّ ، وقيل : إنهم لم يعرفوه حتى
قالَ
لهم
أَنَا يُوسُفُ
وزادهم بقوله :
وَهذا أَخِي
بنيامين شقيقي ، وإنما ذكره لهم ليزيدهم ذلك معرفة له وتثبيتا في أمره وليبني عليه قوله :
قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا
قال ابن عباس : بكل خير في الدنيا والآخرة . وقال آخرون :