تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
إهانتهم له ؟ فقيل :
قالَ
لهم قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسّلام
لا تَثْرِيبَ ،
أي : لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك
عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
وإنما خصه بالذكر ؛ لأنه مظنة التثريب فإذا انتفى ذلك فيه فما ظنك بما بعده ، ولما أعفاهم من التثريب كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من اللّه تعالى ، فاتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله :
يَغْفِرُ اللَّهُ ،
أي : الذي لا إله غيره
لَكُمْ ،
أي : ما فرط منكم ، وعبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشادا لهم إلى إخلاص التوبة ، ورغبّهم في ذلك ، ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران ، فقال :
وَهُوَ
تعالى
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
لجميع العباد لا سيما التائب ، فهو جدير بإدراك النعم . روي أنهم أرسلوا إليه إنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشيا ونحن نستحي مما فرط منا ، فقال : إن أهل مصر ينظرونني وإن ملكت فيهم بعين العبودية فيقولون : سبحان من بلغ عبدا بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من ذرية إبراهيم عليه السّلام . ولما أقرّ أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى سأل عن أبيه فقال : ما فعل أبي بعدي ؟ قالوا : ابيضت عيناه من الحزن فأعطاهم قميصه وقال :
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا
وهو قميص إبراهيم عليه السّلام الذي لبسه حين ألقي في النار عريانا فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، وكان ذلك عند إبراهيم ، فلما مات إبراهيم ورثه إسحاق ، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب ، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك في قصبة من فضة وسدّ رأسها وعلقها في عنقه لما كان يخاف عليه من العين ، وكان لا يفارقه ، فلما ألقي في البئر عريانا جاءه جبريل وعلى يوسف ذلك التعويذ ، فأخرج القميص وألبسه إياه ، ففي الوقت جاء جبريل عليه السّلام وقال : أرسل ذلك القميص ، فإنّ فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا على سقيم إلا عوفي ، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته ، وقال : إذا وصلتم إلى أبي
فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ ،
أي : يصر
بَصِيراً ،
أي : يردّ إليه بصره كما كان ، أو يأت إليّ حال كونه بصيرا
وَأْتُونِي ،
أي : أبي وأنتم
بِأَهْلِكُمْ ،
أي : مصاحبين لكم
أَجْمَعِينَ
لا يتخلف منكم أحد فرجعوا بالقميص لهذا القصد . وروي أنّ يهوذا هو الذي حمل القميص لما لطخوه بالدم فقال : لا يحمل هذا غيري لأفرحه كما أحزنته فحمله وهو حاف من مصر إلى كنعان ، وبينهما ثمانون فرسخا .
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ
من عريش مصر وهو آخر بلاد مصر إلى أوّل بلاد الشأم
قالَ أَبُوهُمْ
لولد ولده ومن حوله من أهله مؤكدا لعلمه أنهم ينكرون قوله :
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
أوصلته إليه ريح الصبا بإذن اللّه تعالى من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر ، قال مجاهد : هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السّلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص . قال أهل المعاني : إنّ اللّه تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السّلام عند انقضاء مدّة المحنة ومجيء وقت الفرج من المكان البعيد ، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدّة ثمانين سنة ، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب ، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ، ومعنى
لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
أشم وعبر بالوجود ؛ لأنه وجدان له بحاسة الشم
لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ،
أي : تنسبوني إلى الخرف .