تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
هذه المقالة ؛ لأنه لما طال حزنه واشتدّ بلاؤه ومحنته علم أن اللّه تعالى سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب ، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله تعالى وتفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه السّلام ، وأن الأمر يرجع إلى سلامة واجتماع ، ثم علل هذا بقوله :
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ،
أي : البليغ العلم بما خفي عنا من ذلك فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد
الْحَكِيمُ ،
أي : البليغ فيما يدبره ويقضيه .
وَ
لما ضاق قلب يعقوب عليه السّلام بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين
تَوَلَّى عَنْهُمْ ،
أي : انصرف بوجهه عنهم لما توالى عنده من الحزن
وَقالَ يا أَسَفى
أي : يا أسفي
عَلى يُوسُفَ ،
أي : تعال هذا أوانك ، والأسف اشدّ الحزن والحسرة ، والألف بدل من ياء المتكلم ، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه ، والحادث إنما هو مصيبتهما ؛ لأن مصيبته كانت قاعدة المصائب ، والحزن القديم إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن الأوّل ، كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدّد حزنه على أخيه مالك « 1 » :
فقالوا أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى والدكادك ؟
فقلت نعم إنّ الأسى يبعث الأسى * فدعني فهذا كله قبر مالك
ولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته ، وفي حديث رواه الطبراني « لم تعط أمة من الأمم إنا للّه وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » « 2 » ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع ، وقال
يا أَسَفى
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ ،
أي : انمحق سوادهما وبدل بياضا
مِنَ الْحُزْنِ ،
أي : من كثرة البكاء عليه ، وقيل : عند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء ، وقيل : ضعف بصره حتى صار يدرك إدراكا لطيفا ، وقيل : عمي ، وقال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه اللّه تعالى بقميص يوسف عليه السّلام . قيل : إن جبريل عليه السّلام دخل على يوسف في السجن ، فقال : إنّ بصر أبيك ذهب من الحزن عليك ، فوضع يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني ، ولم أكن حزنا على أبي . فإن قيل : هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية وهو لا يليق بمثل يعقوب عليه السّلام أجيب : بأنه لم يذكر إلا هذه الكلمة ، ثم عظم بكاؤه ، ثم أمسك لسانه عن النياحة ، وذكر ما لا ينبغي ، ولم يظهر الشكاية مع أحد من الخلق ويدل لذلك قوله :
فَهُوَ كَظِيمٌ ،
أي : مغموم مكروب لا يظهر كربه وقوله :
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[ يوسف ، 86 ] فكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية به ، فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء الجزيل . روي أن يوسف عليه السّلام قال لجبريل عليه السّلام : هل لك علم بيعقوب ؟ قال : نعم . قال : فكيف حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى ، وهي التي لها ولد واحد يموت . قال : فهل له أجر ؟ قال : نعم أجر مئة شهيد ، ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد وأيضا البكاء مباح فقد بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ولده إبراهيم وقال :
هامش
( 1 ) البيتان من الطويل ، وهما في ديوان متمم بن نويرة ص 129 ، وديوان الحماسة 1 / 331 . ( 2 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 254 .