تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
« القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون » « 1 » . رواه الشيخان . تنبيه : شرف الإنسان باللسان والعين والقلب فبين تعالى أن هذه الثلاثة كانت غريقة في الغم ، فاللسان كان مشغولا بقوله : يا أسفا ، والعين بالبكاء والبياض ، والقلب بالغم الشديد ، أي : الذي يشبه الوعاء المملوء الذي سد فلا يمكن خروج الماء منه ، وهذا مبالغة في وصف ذلك الغم . ولما وقع من يعقوب عليه السّلام ذلك كأن قائلا يقول : فما قال له أولاده ؟ فقيل :
قالُوا
له حنقا من ذلك
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا ،
أي : لا تفتأ ، أي : لا تزال
تَذْكُرُ يُوسُفَ
تفجعا ، فتفتأ جواب القسم وهو على حذف لا كقول الشاعر « 2 » :
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي
ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد معا عند البصريين أو أحدهما عند الكوفيين ، فتفتأ هنا ناقصة بمعنى لا تزال كما تقرّر ، ورسمت تفتؤ بالواو
حَتَّى
إلى أن
تَكُونَ حَرَضاً ،
أي : مشرفا على الهلاك لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ،
أي : الموتى . فإن قيل : لما حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا ؟ أجيب : بأنهم بنوا الأمر على الظاهر ، قال أكثر المفسرين : قائل هذا الكلام هم إخوة يوسف ، وقال بعضهم : ليس الإخوة بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاده وخدمه . ولما قالوا له ذلك فكأن قائلا يقول : فما قال لهم ؟ فقيل :
قالَ
لهم
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي
والبث أشد الحزن سمي بذلك ؛ لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر
وَحُزْنِي
مطلقا وإن كان سببه خفيفا يقدر الخلق على إزالته
إِلَى اللَّهِ
المحيط بكل شيء علما وقدرة لا إلى غيره ، فهو الذي تنفع الشكوى إليه
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ،
أي : الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت
ما لا تَعْلَمُونَ
فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف ، ويتوقع رجوعه إليه وذكروا لسبب هذا التوقع أمورا : أحدها : أنّ ملك الموت أتاه فقال له : يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف ؟ قال : لا يا نبي اللّه ، ثم أشار إلى جانب مصر وقال : اطلبه من ههنا ولذلك قال :
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ،
أي : والتحسيس طلب الخبر بالحاسة وهو قريب من التجسيس بالجيم ، وقيل : التحسيس بالحاء يكون في الخير ، وبالجيم يكون في الشرّ ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورة الناس ، والمعنى : تحسسوا خبرا
مِنْ
أخبار
يُوسُفَ وَأَخِيهِ ،
أي : اطلبوا خبرهما . وثانيها : أنه علم أنّ رؤيا يوسف عليه السّلام صادقة ؛ لأنّ أمارات الرشد والكمال ظاهرة في
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1303 ، ومسلم في الفضائل حديث 2315 ، وأبو داود في الجنائز حديث 3126 ، وابن ماجة في الجنائز حديث 1589 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 32 ، وخزانة الأدب 9 / 238 ، 239 ، والخصائص 2 / 284 ، والدرر 4 / 212 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 220 ، وشرح التصريح 1 / 185 ، وشرح شواهد المغني 1 / 341 ، والكتاب 3 / 504 ، ولسان العرب ( يمن ) .