تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الاهتمام بما وقع التكليف لهم به ومن أحوال الدنيا ومقابلة فطرهم القويمة السليمة بردّها إلى ما تدعوهم إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون طب لمخلوق . ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه السّلام . فقال :
وَلَمَّا دَخَلُوا ،
أي : إخوة يوسف عليه السّلام
عَلى يُوسُفَ
في المقدمة الثانية بأخيهم بنيامين قالوا : هذا أخونا فقال : أحسنتم واحتسبتم وستجدون خير ذلك عندي ، ثم أنزلهم وأكرم منزلهم ، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة ، فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيا أجلسني معه ، فقال يوسف : لقد صار أخوكم هذا وحيدا فأجلسه معه على مائدته ، وصار يؤاكله فلما كان الليل أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتا ، فبقي بنيامين وحده فقال يوسف : هذا ينام معي على فراشي كما قال تعالى
آوى
أي : ضم
إِلَيْهِ أَخاهُ
فبات معه وجعل يوسف يضمه إليه ويشمه ثم قال له : ما اسمك ؟ فقال : بنيامين ، قال : وما بنيامين ؟ قال : المثكل وذلك أنه لما ولد هلكت أمّه . قال : وما اسم أمّك ؟ قال : راحيل بنت لاوي . قال : فهل لك من ولد ؟ قال : نعم عشرة بنين . ولما رأى تأسفه لأخ له هلك ، قال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك ؟ فقال : ومن يجد أخا مثلك ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه
قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ
أي : لا تحزن
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ،
أي : بشيء فعلوه بنا فيما مضى ، فإنّ اللّه قد أحسن إلينا فلا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي قد أقدموا عليها ، وقد جمعنا اللّه تعالى على خير ولا تعلمهم بشيء من ذلك . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء ، والباقون بالسكون ، ومدّ بعد النون من أنا قبل الهمزة المفتوحة نافع ، والباقون بالقصر ، ثم إنه ملأ لهم أوعيتهم كما أرادوا ، وكان في المرّة الأولى أبطأ في تجهيزهم في طول المدّة ليتعرّف أخبارهم من حيث لا يشعرون ، ولذلك لم يعطف بالفاء ، وأسرع في تجهيزهم في هذه المرّة قصدا إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي دبّرها فلذلك أتت الفاء في قوله :
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ ،
أي : اعجل جهازهم وأحسنه
بِجَهازِهِمْ جَعَلَ
بنفسه أو بمأذونه
السِّقايَةَ ،
أي : المشربة التي كان يشرب بها
فِي رَحْلِ أَخِيهِ ،
أي : وعاء طعام أخيه بنيامين كما فعل ببضاعتهم في المرّة الأولى . قال ابن عباس : كانت من زبرجد . وقال ابن إسحاق : كانت من فضة وقيل : من ذهب . وقال عكرمة : كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر ، وجعلها يوسف عليه السّلام مكيالا لئلا يكال بغيرها وكان يشرب فيها . قال الرازي : هذا بعيد ؛ لأنّ الإناء الذي يشرب فيه الملك لا يصلح أن يجعل صاعا ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ، قال : وهذا أيضا بعيد ؛ لأنّ الآنية التي تسقى الدواب فيها لا تكون كذلك ، وقال : والأصوب أن يقال : كان ذلك الإناء شيئا له قيمة أمّا إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا ، والسقاية والصواع واحد ، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف عليه السّلام حتى انطلقوا وذهبوا منزلا ، وقيل : حتى خرجوا من العمارة ثم بعث خلفهم من استوقفهم وحبسهم
ثُمَّ أَذَّنَ ،
أي : أعلن فيهم بالنداء
مُؤَذِّنٌ
قائلا برفع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه بما دل عليه إسقاط الأداة
أَيَّتُهَا الْعِيرُ ،
أي : القافلة ، قال أبو الهيثم : كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير . قال : وقول من قال العير الإبل خاصة باطل ، فقوله :
أَيَّتُهَا الْعِيرُ ،
أي : أصحاب العير كقوله : يا خيل اللّه اركبي . قال الفراء : كانوا أصحاب إبل . وقال مجاهد : كانت العير حميرا .