تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ
ففتشها
قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ
لئلا يتهم فلم يجد فيها شيئا
ثُمَّ ،
أي : بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك
اسْتَخْرَجَها ،
أي : السقاية أو الصاع ؛ لأنه يذكر ويؤنث
مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
فلما خرج الصاع من وعاء بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون : له إيش الذي صنعت فضحتنا وسوّدت وجوهنا يا ابن راحيل ما زال لنا منكم بلاء حتى أخذت هذا الصاع . فقال بنيامين : بل بنو راحيل ما زال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية إنّ الذي وضع هذا الصاع في رحلي هو الذي وضع البضاعة في رحالكم ، فأخذ بنيامين رقيقا . وقيل : إنّ المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيش رحالهم وهم الذين استخرجوا الصاع من رحله فأخذوه برقبته وردّوه إلى يوسف عليه السّلام . تنبيه : هاهنا همزتان مختلفتان من كلمتين قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء ، والباقون بالتحقيق .
كَذلِكَ ،
أي : مثل ذلك الكيد
كِدْنا لِيُوسُفَ
خاصة بأنّ علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه السّلام في الابتداء ، وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السّلام :
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
[ يوسف ، 5 ] والكيد من الخلق الحيلة ، ومن اللّه تعالى التدبير بالحق ، فالمراد من هذا الكيد هو أنّ اللّه تعالى ألقى في قلب إخوته بأن حكموا أنّ جزاء السارق هو أن يسترق لا جرم لما ظهر الصاع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق ، وصار ذلك سببا لتمكن يوسف عليه السّلام من إمساك أخيه عند نفسه . ولما كان الكيد يشعر بالحيلة والخديعة ، وهو في حق اللّه تعالى محال حمل على الغاية ، ونهايته هنا إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل له إلى دفعه ، فالكيد في حق اللّه تعالى محال على هذا المعنى ، وقيل : المراد بالكيد هاهنا إنّ إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره ، واللّه تعالى نصره وقوّاه وأعلى أمره وقوله تعالى :
ما كانَ ،
أي : يوسف
لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ،
أي : حكمه بيان للكيد ؛ لأنّ جزاءه كان عنده الضرب وتغريم مثلي ما أخذ لا أنه يستعبد ، وقوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع تقديره : ولكن بمشيئة اللّه أخذه في دين الملك ، وهو دين آل يعقوب عليه السّلام إنّ الاسترقاق جزاء السارق . والثاني : أنه مفرغ من الأحوال العامّة والتقدير : ما كان ليأخذه في كل حال إلا في حال التباسه بمشيئة اللّه ، أي : إذنه في ذلك . ولما كان يوسف عليه السّلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته بعد ما كان فيه عندهم من الصغار كان ذلك محل عجب فقال تعالى التفاتا إلى مقام التكلم :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ،
أي : بالعلم كما رفعنا درجته ، وكان الأصل درجاته ولكنه عمم ؛ لأنه أدل على العظمة ، فكان أليق بمظهرها ، وفي هذه الآية دليل على أنّ العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ؛ لأنّ اللّه تعالى لما هدى يوسف عليه السّلام إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك ورفع درجته على إخوته ، ووصف إبراهيم عليه السّلام بقوله تعالى :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
عندما حكى عنه دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين التاء ، والباقون بغير تنوين
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
قال ابن عباس : فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى اللّه تعالى فوق كل عالم ؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعلم ، وفي الآية دليل على أنّ إخوة يوسف عليه السّلام كانوا علماء ، وكان يوسف أعلم