تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
الْمُهْتَدِينَ
تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم أطماعهم والانتفاع بأعمالهم التي قد استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها ، فإنه تعالى بيّن أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليه الخشية من اللّه تعالى ، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرا بين لعل وعسى ، فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بخير من عند اللّه ومنع للمؤمنين من أن يغترّوا بأحوالهم ويتكلوا عليها . وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى :
أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أقوالا ، فعن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال رجل : لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج . وقال آخر : ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام . وقال آخر : الجهاد في سبيل اللّه أفضل مما قلتم فزجرهم عمر رضي اللّه عنه وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يوم الجمعة ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه ، فنزلت . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال العباس حين أسر يوم بدر : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام وبالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ، فنزلت . وقيل : إن المشركين قالوا لليهود : نحن علينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه ، فقالت لهم اليهود : أنتم أفضل ، فنزلت . وقيل : إنّ عليا قال للعباس رضي اللّه عنهما : يا عم ، ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج بيت اللّه وأعمر المسجد الحرام ، فلما نزلت قال العباس : ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا » « 1 » وكان العباس عم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيده سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء السقاية فاستسقى ، فقال العباس رضي اللّه عنه لابنه الفضل : يا فضل ، اذهب إلى أمّك فأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشراب من عندها ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم : « اسقني » قال : يا رسول اللّه يجعلون أيديهم فيه ، قال : « اسقني » فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها ، فقال : « اعملوا فإنكم على عمل صالح » « 2 » . وعن أبيّ بن عبد اللّه المزني رضي اللّه عنه قال : كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة ، فأتاه أعرابي ، فقال : مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل ؟ فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الحمد للّه ما بنا من حاجة ولا بخل ، إنما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشربه وسقى فضله أسامة وقال : أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوه ، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والنبيذ : تمر ينقع في الماء غدوة وهو حلال ، فإن غلا وخمر حرم . تنبيه : السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية ، فلا بد من مضاف محذوف تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن باللّه
لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ
أي : لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا باللّه وجاهدوا في سبيل اللّه بحال من سقى الحاج
هامش
( 1 ) أخرجه ابن كثير في تفسيره 4 / 65 ، والطبري في تفسيره 10 / 68 ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 74 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الحج حديث 1635 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 682 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين