تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 685

مساهمون:

ص٦٨٥
فطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يولي ثم قال للعباس : « وكان صيتا صح يا عباس » فنادى : « يا عباد اللّه يا أصحاب الشجرة » وهم أصحاب بيعة الرضوان المذكورون في قوله تعالى :
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
[ الفتح ، 18 ] يا أصحاب سورة البقرة قال الطيبي وهم المذكورون في قوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
[ البقرة ، 285 ] وقيل : الذين أنزلت عليهم سورة البقرة فرجعوا جماعة واحدة يقولون : لبيك لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال عليه الصلاة والسّلام : « هذا حين حمي الوطيس » أي : اشتدّ الحرب ثم أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كفا من تراب فرماهم ثم قال : « انهزموا ورب الكعبة » فانهزموا « 1 » . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل عن البغلة ، ثم أخذ قبضة من تراب الأرض ، ثم استقبل بها وجوههم ، ثم قال : « شاهت الوجوه » « 2 » . قال سلمة بن الأكوع : فما خلق اللّه تعالى منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة ، فولوا مدبرين فهزمهم اللّه تعالى .
فَلَمْ تُغْنِ
أي : الكثرة .
عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
أي : برحبها أي : بسعتها لا تجدون فيها مقرا تطمئن إليه نفوسكم من شدّة الرعب ، ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه .
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
أي : الكفار ظهوركم مدبرين أي : منهزمين ، والإدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإقبال .
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
أي : رحمته التي سكنوا إليها وأمنوا .
عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أي : على الذين انهزموا ، فردّوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما ناداهم العباس بإذنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : هم الذين ثبتوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين وقع الحرب .
وَأَنْزَلَ جُنُوداً
أي : ملائكة
لَمْ تَرَوْها
بأعينكم قال سعيد بن جبير : مد اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ، وقيل : ثمانية آلاف ، وقيل : ستة عشرة ألفا . وروي أنّ رجلا من بني النضير قال للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق ، والرجال الذين عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة ، وما قتلنا إلا بأيديهم ، فأخبروا بذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « تلك الملائكة »
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب المال .
وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
أي : ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما قسم ما أفاء اللّه عليه يوم حنين في الناس ، وفي المؤلفة قلوبهم ، لم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، فخطبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا معاشر الأنصار : ألم أجدكم ضلالا ، فهداكم اللّه بي ، وكنتم متفرّقين فألفكم اللّه بي ، وعالة فأغناكم اللّه بي » كلما قال شيئا قالوا : اللّه ورسوله أنّ قال : « ما يمنعكم أن تجيبوا رسول اللّه ، لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا . أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبيّ إلى رحالكم ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، لو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم ، الأنصار شعار ، والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض » « 3 » وعن رافع بن خديج أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، كل إنسان منهم مائة من الإبل ، وأعطي عباس بن مرداس دون ذلك فقال
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 1775 . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 3 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4330 ، ومسلم في الزكاة حديث 1061 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 685 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين