تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
المقالة
إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ
أي : أقرباؤكم مأخوذ من العشرة ، وقيل : من العشرة ، فإن العشرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة
وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها
أي : اكتسبتموها
وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها
أي : عدم نفاقها بفراقكم لها
وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها
أي : تستوطنونها راضين بسكناها
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
أي : الهجرة إلى اللّه ورسوله
وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ
فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة والجهاد ، أي : إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة اللّه وطاعة رسوله ، ومن المجاهدة في سبيل اللّه
فَتَرَبَّصُوا
أي : انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ .
قال مجاهد بقضائه أي : عقوبة عاجلة أو آجلة ، وقال مقاتل بفتح مكة
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
أي : لا يخلق الهداية في قلوب
الْفاسِقِينَ
أي : الخارجين عن طاعته ، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا .
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ
النصرة المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم
فِي مَواطِنَ
أي : أماكن للحرب
كَثِيرَةٍ
كبدر وقريظة والنضير ، والمراد بذلك غزواته صلّى اللّه عليه وسلّم وسراياه وبعوثه ، وكانت غزواته صلّى اللّه عليه وسلّم على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه قاتل في ثمان منها ، وأمّا جميع غزواته وسراياه وبعوثه فقيل : سبعون ، وقيل : ثمانون
وَيَوْمَ
أي : واذكر يوم
حُنَيْنٍ
وهو واد بين مكة والطائف أي : يوم قتالكم فيه هوازن وقوله تعالى :
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
بدل من يوم حنين ، وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما فتح مكة وقد بقي من شهر رمضان أيام ، وخرج متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف ، واختلفوا في عدد عسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانوا ستة عشر ألفا . وقال الكلبيّ : كانوا عشرة آلاف ، وقال قتادة : كانوا اثني عشر ألفا ، عشرة آلاف الذين حضروا فتح مكة ، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء ، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا ، وبالجملة كانوا عددا كثيرا ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة إعجابا بكثرتهم ، فساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلامه ، ووكلوا إلى كلمة الرجل . وقيل : قائلها أبو بكر رضي اللّه عنه ، وقيل : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا القول بعيد جدا ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في أحواله كلها متوكلا على اللّه تعالى منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها ثم اقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم المشركون وتخلوا عن الذراري ثم تنادوا : يا حماة السوادة اذكروا الفضائل فتراجعوا وانكشف المسلمون حتى بلغ منهزمهم مكة وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجام بغلته ، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وناهيك بهذا شهادة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على تناهي شجاعته قال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم واستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان ، قال البراء : والذي لا إله إلا هو ما ولي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دبره قط قد رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب والعباس أخذ بلجام الدابة وهو يقول « 1 » :
أنا النبيّ لا كذب * أنا ابن عبد المطلب
هامش
( 1 ) الرجز لرسول اللّه في كتاب العين 6 / 65 ، وتهذيب اللغة 10 / 611 .