تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
فَشَرِبُوا مِنْهُ
لما وافوه بكثرة وقوله تعالى :
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
أي : فاقتصر على الغرفة ، نصب على الاستثناء . روي أن من اغترف غرفة كما أمر اللّه قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما ، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وأروته ، والذين شربوا وخالفوا أمر اللّه اسودت شفاههم ، وغلبهم العطش ، فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ ، واختلفوا في عدد الذين لم يشربوا قال البغوي : الصحيح أنهم ثلاثمائة وبضعة عشر أي : عدد أهل بدر ، وقال السدّي : كانوا أربعة آلاف ويؤيد الأوّل ما روي عن البراء أنه قال : كنا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نتحدّث أن عدّة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت ، الذين جاوزوا معه النهر ، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر ، وثلاثمائة . ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر وفي هذا إيذان بأن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد التائبين من أصحاب طالوت ، الذين كان بعددهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ولما كان قصص بني إسرائيل مثلا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ، فابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها ، وفي إفراد اليد إيذان بأنّ الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين ، لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشرّ .
فَلَمَّا جاوَزَهُ
أي : النهر
هُوَ
أي : طالوت
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
أي : وهم الذين اقتصروا على الغرفة
قالُوا
أي : الذين شربوا
لا طاقَةَ
أي : لا قوّة
لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
أي : بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه . ولما أخبر اللّه سبحانه وتعالى عنهم بهذا القول نبّه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظنّ أنّ أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ، ولا ينقص بالجراءة والإقدام ، وأنه يلقى اللّه تعالى ، فيجازيه على عمله ، وأنّ النصر من اللّه لا بالقوّة والعدد فقال :
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أي : يوقنون
أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
بالبعث وهم الذين جاوزوه
كَمْ مِنْ فِئَةٍ
أي : جماعة ، وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض ، وكم يحتمل أن تكون خبرية بمعنى كثير ، ومن مبينة وأن تكون استفهامية ، ومن مؤكدة والأوّل أولى بقرينة المقام
قَلِيلَةٍ
كما كان في هذه الأمة في يوم بدر
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
أي : بإرادته وتيسيره ، ثم انظر إلى هذا الحال العجيب ؛ وهو أنه لما ندبهم انتدب جيش لا يحصون فاشترط عليهم الشاب الفارغ من بناء دار ، وبناء بامرأة ، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا ، ثم امتحنوا بالنصر ، فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط ، من الذين هم دون الدون من المنتدبين ، الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك الخارجين معه كما قال القائل « 1 » :
ألم تعلم بأني صيرفي * أحك الأصدقاء على محكي
فمنهم بهرج لا خير فيه * ومنهم من أجوزه بشك
وأنت الخالص الذهب المصفى * بتزكيتي ومثلي من يزكى
ثم بين سبحانه وتعالى أنّ ملاك كل ذلك الصبر بقوله :
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
بالنصر والمعونة فلا يخذل من كان معه .
وَلَمَّا بَرَزُوا
أي : ظهروا وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة
لِجالُوتَ
اسم ملك
هامش
( 1 ) الأبيات لم أجدها في المصادر والمراجع التي بين يدي .