علمائهم وتبناه ، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل ، فقال له : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإنّ اللّه قد بعثك فيهم نبيا ، فلما أتاهم كذّبوه وقالوا : استعجلت بالنبوّة فإن كنت صادقا
ابْعَثْ
أي : أقم
لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ
معه
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فتنتظم به كلمتنا ، ونرجع إليه ، ويكون ذلك آية من نبوّتك .
وإنما كان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك ، وطاعة الملوك أنبياءهم ، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع ، والنبيّ يقيم له أمره ويشير عليه برشده ، ويأتيه بالخبر من ربه .
ولما قالوا له ذلك
قالَ
لهم
هَلْ عَسَيْتُمْ
قرأ نافع بكسر السين ، والباقون بفتحها ، وقوله تعالى :
إِنْ كُتِبَ
أي : فرض
عَلَيْكُمُ الْقِتالُ
مع ذلك الملك
أَلَّا تُقاتِلُوا
خبر عسى والاستفهام لتقرير المتوقع بها بمعنى التثبت للمتوقع ، وإن كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار .
قالُوا : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
بسبيهم وقتلهم أي : أي غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان ، والإفراد عن الأولاد .
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا
عنه وجبنوا وضيعوا أمر اللّه تعالى
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
وهم الذين عبروا النهر مع طالوت وانتصروا على الفرقة على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ، وقوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد .
تنبيه : هذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن الماضين ، وإنما هو إعلام بما يستقبل الآتون ، كما قال القائل : إياك أعني واسمعي يا جارة ، فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذ بجملته خطابا لهذه الأمّة بكل ما قص له من أقاصيص الأوّلين . ثم سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ربه أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس ، وقيل له : إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصا ، وانظر القرن الذي فيه الدهن ، فإذا دخل عليك رجل ونشّ الدهن الذي في القرن ، فهو ملك بني إسرائيل ، فادهن به رأسه وملّكه عليهم ، وكان طالوت واسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب ، سمي طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد أي : في زمانه برأسه ومنكبه ، وكان رجلا دباغا ، يعمل الأديم قاله وهب ، وقال السدّي : كان سقاء يسقي على حمار له من النيل ، فضلّ حماره ، فخرج في طلبه ، وقال وهب : بل ضلت حمر لأبي طالوت ، فأرسله وغلاما له في طلبها ، فمرّ ببيت شمويل فقال الغلام لطالوت : لو دخلنا على هذا النبيّ فسألناه على أمر الحمير ليرشدنا ، ويدعو لنا ، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر ، إذ نش الدهن الذي في القرن ، فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا ، فكانت على طوله ، فقال لطالوت : قرب رأسك فقرّبه فدهنه بدهن القدس ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني اللّه أن أملكه عليهم ، فقال طالوت : أما علمت أنّ سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوتهم ؟ قال : بلى قال : فبأي آية ؟ قال : بآية أنك ترجع وقد وجدت الحمر ، فكان كذلك ثم ، أخبرهم نبيهم بذلك كما قال تعالى :
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
الذي تقدّم ذكره
إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
أي : لأجل سؤالكم
طالُوتَ مَلِكاً
وهو اسم أعجمي كجالوت ، وداود ، وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته
قالُوا أَنَّى
أي : كيف
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا
أي : من أين يكون له ذلك ؛
وَنَحْنُ
أي : والحال أنا نحن