تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفرّ ، فأولى أن يكون في سبيل اللّه تعالى
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
أي : عامّة فليذكر كل أحد ما له عليه من الفضل
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
كما ينبغي أمّا الكفار فلم يشكروا ، وأمّا المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره . تنبيه : إنما كرّر الناس ، ولم يضمر ليكون أنصّ على العموم لئلا يدّعي مدع أنّ المراد بالناس الأوّل أهل زمان فيخص بالثاني أكثرهم .
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أعداء اللّه لتكون كلمة اللّه هي العليا
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لأقوالكم فيسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون
عَلِيمٌ
بأحوالكم فيعلم ما تضمرونه فيجازيكم .
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ
الذي تفرد بالعظمة بإنفاق ماله في سبيل اللّه ومن استفهامية مرفوعة الموضع بالابتداء ، وذا خبره ، والذي : صفة ذا أو بدل ، وإقراض اللّه مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه ، فهو اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه ، فسمى اللّه تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعد لهم من الثواب قرضا ؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه ، وأصل القرض في اللغة القطع ، سمي القرض به ؛ لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله وقيل : في الآية اختصار ، معناه : من ذا الذي يقرض عباد اللّه المحتاجين من خلقه كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ
[ الأحزاب ، 57 ] أي : عباد اللّه كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه يقول يوم القيامة : ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ » « 1 »
قَرْضاً حَسَناً
أي : جامعا لطيب النفس وإخلاص النية ، وقيل : لا يمنّ به ولا يؤذي . ولما كانت النفس مجبولة على الشح بما عندها إلا لفائدة رغّبها سبحانه وتعالى في ذلك بقوله :
فَيُضاعِفَهُ
أي : جزاءه
لَهُ
في الدنيا والآخرة ، وأوّل هذه المضاعفة أنّ الزائد ضعف ليس كسرا ، « كان صلّى اللّه عليه وسلّم لا يقترض قرضا إلا وفي عليه زيادة وقال : خياركم أحسنكم قضاء » ، « 2 » وقد أنبأ سبحانه وتعالى أن اقتراضه بما هو فوق ذلك ، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله بقوله :
أَضْعافاً كَثِيرَةً
من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي . روي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه لما نزلت هذه الآية ، قال أبو الدحداح الأنصاري : « يا رسول اللّه إنّ اللّه ليريد منا القرض قال : نعم يا أبا الدحداح قال : أرني يدك يا رسول اللّه فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي ، وحائطه فيه ستمائة نخلة وأمّ الدحداح فيه وعيالها فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أمّ الدحداح قالت : لبيك قال : أخرجي فقد أقرضت ربي عز وجل » « 3 » . وقرأ ابن عامر وعاصم فيضاعفه بنصب الفاء على جواب الاستفهام حملا على المعنى ، فإنّ من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا في معنى أيقرض اللّه أحد ، والباقون برفعها ، وأسقط الألف وشدّد العين ابن كثير وابن عامر ، والباقون بإثبات الألف وتخفيف العين ، ولما رغّب سبحانه وتعالى في إقراضه ، أتبعه جملة خالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال :
وَاللَّهُ يَقْبِضُ
أي :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 2569 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الاستقراض حديث 2393 ، ومسلم في المساقاة حديث 1601 ، والترمذي في البيوع حديث 1317 ، والنسائي في البيوع حديث 4618 . ( 3 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 / 114 ، 6 / 321 .