تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » « 1 » ، فالآية مطلقة قيدتها السنة ، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة ، ويكون العقد مستفادا من لفظ الزوج ، والعسيلة مجاز عن قليل الجماع ، إذ يكفي قليل انتشار ، شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت ولحقتها الهاء ؛ لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري . وروي أنها لبثت ما شاء اللّه ثم رجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت : إنّ زوجي قد مسني فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « كذبت في قولك الأوّل فلن أصدقك في الآخر » فلبثت حتى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتت أبا بكر فقالت : يا خليفة رسول اللّه أرجع إلى زوجي الأوّل فإنّ زوجي الآخر مسني وطلقني فقال لها أبو بكر : قد شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أتيته ، وقال لك ما قال ، فلا ترجعي إليه ، فلما قبض أبو بكر أتت عمر ، وقالت له مثل ذلك فقال لها عمر : لئن رجعت إليه لأرجمنك » « 2 » . والحكمة في التحلل الردع عن المسارعة إلى الطلاق ، والعود إلى المطلقة ثلاثا والرغبة فيها ، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر ، وجوّزه أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه مع الكراهة ، وقد « لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المحلل والمحلل له » « 3 » رواه الترمذيّ والنسائيّ وصححه . وعن عمر رضي اللّه تعالى عنه : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما . تنبيه : شملت الآية الكريمة : ما إذا طلق الزوج زوجته الأمة ثلاثا ثم ملكها ، فإنه لا يحلّ له أن يطأها بملك اليمين ، حتى تنكح زوجا غيره
فَإِنْ طَلَّقَها
الزوج الثاني بعدما أصابها
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
أي : المرأة والزوج الأوّل
أَنْ يَتَراجَعا
إلى النكاح بعقد جديد بعد انقضاء العدّة
إِنْ ظَنَّا
أي : إن كان في ظنهما
أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
أي : ما حدّه اللّه وشرعه من حقوق الزوجية ، هذا هو الأصل ، وإلا فهو ليس بشرط للجواز ولم يقل إن علما أنهما يقيمان ؛ لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا اللّه . قال في « الكشاف » ومن فسر الظنّ هنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى ؛ لأنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ، ولكن علمت أنه يقوم ؛ ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظنّ ظنا
وَتِلْكَ
أي : الأحكام المذكورة
حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي : يتدبرون ما أمرهم اللّه تعالى به ويفهمونه ، ويعلمونه بمقتضى العلم .
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
أي : قاربن انقضاء عدّتهن ولم يرد انقضاء العدّة حقيقة ؛ لأنّ العدّة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ ههنا بلوغ مقاربة . وفي قوله تعالى بعد ذلك :
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ
حقيقة انقضاء العدّة والبلوغ يتناول المعنيين ، يقال : بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها
فَأَمْسِكُوهُنَّ
بأن تراجعوهنّ
بِمَعْرُوفٍ
من غير ضرار ، وقيل : بأن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء
أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
أي : اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ ، فيكنّ أملك بأنفسهنّ
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ
بالرجعة وقوله تعالى :
ضِراراً
مفعول له
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الشهادات حديث 2639 ، ومسلم في النكاح حديث 1433 ، والترمذي في النكاح حديث 1118 ، والنسائي في النكاح حديث 3283 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1932 . ( 2 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 / 283 ، وابن حجر في فتح الباري 9 / 468 ، والبغوي في شرح السنة 1 / 231 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2076 ، والترمذي في النكاح حديث 1119 والنسائي في الطلاق حديث 3416 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1934 .