تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
لِتَعْتَدُوا
أي : لا تقصدوا بالمراجعة المضارة بتطويل الحبس . نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار ، طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
أي : أضرّ بها بتعريضها إلى عذاب اللّه ، وقرأ أبو الحارث الليث بإدغام اللام من يفعل في الذال حيث جاء والباقون بالإظهار
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً
أي : مهزؤا بها بمخالفتها ؛ لأنّ كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات اللّه هزوا ، وقيل : كان الرجل يتزوّج ويطلق ويعتق ويقول : كنت ألعب فنزلت . وروي عن أبي هريرة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ثلاث جدّهنّ جدّ : وهزلهنّ جدّ الطلاق والنكاح والرجعة » « 1 »
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
التي من جملتها الإسلام والإيمان وبعثة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ
أي : القرآن
وَالْحِكْمَةِ
أي : السنة ، أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقوقها
يَعِظُكُمْ بِهِ
أي : بما أنزل عليكم ليدعوكم به إلى دينه
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يخفى عليه شيء ففي ذلك تأكيد وتهديد .
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
أي : انقضت عدّتهنّ
فَلا تَعْضُلُوهُنَّ
أي : تمتعوهنّ من
أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ
أي : المطلقين لهنّ . وعن الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه دل سياق الكلامين أي : وهما أمسكوهنّ إلخ . . و « فلا تعضلوهنّ » على افتراق البلوغين ، فالمراد بالأوّل المقاربة ، وبالثاني الوصول كما تقرّر ، والعضل الحبس والتضييق ، ومن العضل بهذا المعنى عضلت الدجاجة إذا علقت بيضتها فلم تخرج . فائدة : رسمت التاء في نعمت بالتاء المجرورة ، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بالهاء ، ويميلها الكسائيّ في الوقف ، ووقف الباقون بالتاء على الرسم والمخاطب بذلك الأولياء لما روي أنه نزلت في معقل بن يسار ، حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل ، ففي الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها ، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة ، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ ، وقبل الخطاب للأولياء والأزواج ، وقيل : للناس كلهم أي : لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر ، فإنه إن وجد بينهم وهم راضون به كانوا كالفاعلين . له وقوله تعالى :
إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ
أي : الأزواج والنساء ظرف ؛ لأن ينكحن أو لا تعضلوهنّ وقوله تعالى :
بِالْمَعْرُوفِ
أي : بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال حال من ضمير تراضوا ، أو صفة مصدر محذوف أي : تراضيا كائنا بالمعروف وفيه دلالة على أنّ العضل عن التزوج من غير كفء غير منهي عنه
ذلِكَ
أي : النهي عن العضل
يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
لأنه المتعظ أو المنتفع به . فإن قيل : لمن الخطاب في قوله :
ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ ؟
أجيب : بأنه يجوز أن يكون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكل أحد كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق ، 1 ] ونحوه
ذلِكُمْ
أي : ترك العضل
أَزْكى
أي : أنفع
لَكُمْ وَأَطْهَرُ
لكم ولهنّ من دنس الآثام لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
ما فيه المصلحة
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلك
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في النكاح حديث 2194 ، والترمذي في النكاح حديث 1184 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 174 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين