تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
لقصور علمكم ، وقوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهنّ الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد ، لقوله تعالى في سورة الطلاق :
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
فإن رغبت الأمّ في الإرضاع فهي أولى من غيرها ، أمّا إذا لم يوجد من يرضعه فيجب عليها إرضاعه ، والوالدات يعمّ المطلقات وغيرهنّ وقيل : يختص بالمطلقات إذ الكلام فيهنّ
حَوْلَيْنِ
أي : عامين
كامِلَيْنِ
صفة مؤكدة كما في قوله تعالى :
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة ، 196 ] لأنّ العرب قد تسمي بعض الحول حولا ، وبعض الشهر شهرا ، كما قال اللّه تعالى :
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[ البقرة ، 197 ] وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال تعالى :
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
[ البقرة ، 203 ] وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم . وقال قتادة : فرض اللّه على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال :
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
أي : هذا منتهى الرضاع ، وليس فيما دون ذلك حدّ محدود ، إنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به .
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
أي : الوالد
رِزْقُهُنَّ
أي : إطعام الوالدات
وَكِسْوَتُهُنَّ
أجرة لهنّ على الإرضاع إذا كنّ مطلقات ، واختلف في استئجار الأم للإرضاع فجوّزه الشافعيّ ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدّة نكاح . فإن قيل : لم قال تعالى :
الْمَوْلُودِ لَهُ
دون الوالد ؟ أجيب : بأنه تعالى إنما ذكر ذلك ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم ؛ لأنّ الأولاد للآباء ولذلك ينتسبون إليهم لا إلى الأمّهات . وأنشد للمأمون بن الرشيد « 1 » :
فإنما أمّهات الناس أرعية * مستودعات وللآباء أبناء
فكان عليهم أن يرزقوهنّ ويكسوهنّ إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى :
وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
[ لقمان ، 33 ] وقوله تعالى :
بِالْمَعْرُوفِ
يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى :
لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها
أي : طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها
أي : بسببه ، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها
وَلا
يضار
مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ
أي : بسببه ، بأن يكلف فوق طاقته ، وإضافة الولد إلى كلّ منهما للاستعطاف ، وللتنبيه على أنّ الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو تضار بضمّ الراء بدل من قوله : لا تكلف والباقون بفتحها
وَعَلَى الْوارِثِ
أي : وارث الأب ، وهو الولد أي : على الوليّ في مال الولد
مِثْلُ ذلِكَ
أي : الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة ، وقيل : هو وارث الولد الذي لو مات الولد لورثه ، وقيل : الباقي من الأبوين أخذا من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث - أي : الباقي - منا » « 2 » والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدّة الحياة كأنه باق بعد الموت
فَإِنْ أَرادا
أي : الوالدان
فِصالًا
أي : فطاما له صادر
عَنْ
هامش
( 1 ) البيت بلا نسبة في المستطرف للأبشيهي 2 / 487 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3502 .