تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ
أي : صمّموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه ،
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لقولهم
عَلِيمٌ
بعزمهم أي : ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق ، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها ؛ لأنه شرط فيه العزم وقال : فإنّ اللّه سميع فدل على أنه يقتضي مسموعا . والقول : هو الذي يسمع وقال بعض العلماء : إذا مضت أربعة أشهر يقع عليه طلقة بائنة ، وهو قول ابن عباس وأصحاب الرأي ، وقال سعيد بن المسيب والزهري : يقع عليه طلقة واحدة رجعية ، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا ، بل حالفا ، إذا وطئها قبل مضي تلك المدّة وجبت عليه كفارة يمين إن كان الحلف باللّه ، ولا يختص الإيلاء بالحلف باللّه تعالى ، فلو قال لزوجته : إن وطئتك فعبدي حر ، أو ضرّتك طالق ، أو للّه عليّ عتق رقبة أو صوم أو صلاة ، فهو مول ، لأنّ المولى من يلزمه أمر يمتنع بسببه من الوطء .
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ
ينتظرن
بِأَنْفُسِهِنَّ
عن النكاح
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
تمضي من حين الطلاق جمع قرء بفتح القاف وضمها ، وهو يطلق للحيض لقوله عليه الصلاة والسّلام كما رواه أبو داود وغيره : « دعي الصلاة أيام أقرائك » « 1 » ، وللطهر الفاصل بين حيضتين وهو المراد في الآية ؛ لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض ، كما قال به بعض العلماء ، لقوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
أي : وقت عدّتهنّ والطلاق المشروع لا يكون في الحيض ، وأمّا ما رواه أبو داود والترمذيّ وغيرهما من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان » « 2 » فلا يقاوم ما رواه البخاريّ في قصة ابن عمر « مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدّة التي أمر اللّه تعالى أن تطلق لها النساء » « 3 » أي : بقوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .
فإن قيل : ما معنى ذكر الأنفس فهلّا قيل : يتربصن ثلاثة قروء ؟ أجيب : بأنّ في ذكر الأنفس تهييجا لهنّ على التربص ، وزيادة بعث ؛ لأنّ فيه ما يستنكفن منه ، فيحملهنّ على أن يتربصن ، وذلك أنّ نفس النساء طوامح أي : نواظر إلى الرجال ، فأمرن أن يقمعن أنفسهنّ ويغلبنها على الطموح ، ويجبرنها على التربص ، وكان القياس في جمع قرء أن يذكر بصيغة القلة ، التي هي الأقراء ، ولكنهم يتوسعون في ذلك ، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ، ألا ترى إلى قوله : بأنفسهنّ وما هي إلا نفوس كثيرة . قال البيضاويّ : ولعلّ الحكم لما عمّ المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة ، فحسن بناء الكثرة ووجوب ذلك في المدخول بهنّ ، أمّا غيرهنّ فلا عدّة لهنّ لقوله تعالى :
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها
[ الأحزاب ، 49 ] وفي غير الآيسة والصغيرة فعدّتهنّ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحيض حديث 335 ، وأبو داود في الطهارة حديث 281 ، والترمذي في الطهارة حديث 126 ، وابن ماجة في الطهارة حديث 625 ، والدارمي في الطهارة حديث 788 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الطلاق حديث 2189 ، والترمذي في الطلاق حديث 1182 ، وابن ماجة في الطلاق حديث 2079 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الطلاق حديث 5252 ، ومسلم في الطلاق حديث 1471 ، والنسائي في الطلاق حديث 3389 .