تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
أي : الحجج الظاهرة على التوحيد ، ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدّم على الاستثناء في المعنى
بَغْياً
من الكافرين
بَيْنَهُمْ
حسدا وظلما لحرصهم على الدنيا
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
وقوله تعالى :
مِنَ الْحَقِّ
بيان لما اختلفوا فيه أي : فهدى اللّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف
بِإِذْنِهِ
أي : بإرادته قال ابن دريد في هذه الآية : اختلفوا في القبلة ، فمنهم من يصلي إلى المشرق ، ومنهم من يصلي إلى المغرب ، ومنهم من يصلي إلى المقدس ، فهدانا اللّه للكعبة ، واختلفوا في الصيام فهدانا اللّه لشهر رمضان ، واختلفوا في الأيام فأخذت اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، فهدانا اللّه للجمعة ، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود : كان يهوديا وقالت النصارى : كان نصرانيا فهدانا اللّه للحق من ذلك ، واختلفوا في عيسى فجعله النصارى إلها فهدانا اللّه للحق فيه .
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
هدايته
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
هو طريق الحق لا يضل سالكه .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ
أي : شبه
الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا ، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قتادة : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدّة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى ، كما قال تعالى :
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
[ الأحزاب ، 10 ] وقال عطاء : لما دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة اشتدّ عليهم الأمر ؛ لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا اللّه ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأسرّ قوم النفاق ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية تطمينا لقلوبهم . وقيل : نزلت في حرب أحد ، واختلف في معنى أم فقال الفرّاء : الميم صلة أي : أحسبتم ، وقال الزجاج : هي بمعنى بل أي : بل حسبتم ، ولما بمعنى لم أي : ولم يأتكم . وقوله تعالى :
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ
أي : شدّة الفقر
وَالضَّرَّاءُ
أي : المرض والجزع ، جملة مستأنفة مبينة لما قبلها
وَزُلْزِلُوا
أي : أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
لتناهي الشدّة واستطالة المدّة ، بحيث تقطعت حبال الصبر
مَتى
يأتي
نَصْرُ اللَّهِ
الذي وعدناه استطالة لتأخره ، فأجيبوا من قبل اللّه
أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
إتيانه وفي هذا إشارة إلى أنّ الوصول إلى اللّه تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات ، كما قال عليه الصلاة والسّلام كما رواه الشيخان وغيرهما : « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » « 1 » . وفي رواية لهم : حجبت أي : جعلت المكاره حجابا دون الجنة فمن خرقه دخلها . والشهوات حجاب دون النار فمن اقتحمه دخلها وقرأ نافع يقول : بالرفع على أنها حكاية حال ماضية ، وفائدته تصوّر تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها وقرأ الباقون بالنصب .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 215 إلى 220 ]

يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 217 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 )
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2823 ، والترمذي في صفة الجنة حديث 2559 ، والدارمي في الرقاق حديث 2843 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 160 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين