ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا » « 1 » .
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
في الدارين
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي : رزقا واسعا بغير تقدير في الدنيا للكافر استدراجا ، كما وسع على قارون ، وللمؤمن ابتلاء كما وسع على عبد الرحمن بن عوف ، وفي الآخرة للمؤمن خاصة تفضلا .
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
أي : متفقين على الحق . روي عن أبي العالية عن كعب قال : كان الناس حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره ، وأقرّوا بالعبودية أمّة واحدة مسلمين ، ولم يكونوا أمّة واحدة قط غير ذلك اليوم ، ثم اختلفوا بعد آدم ، وقال الكلبي : هم أهل سفينة نوح ، كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح ، وقال قتادة وعكرمة : كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح ، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى ، ثم اختلفوا في زمن نوح ، وقال مجاهد : أراد آدم وحده كان أمّة واحدة سمي الواحد بلفظ الجمع ؛ لأنه أصل النسل وأبو البشر ، ثم خلق اللّه حوّاء ونشر منهما الناس فكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل وهابيل فاختلفوا .
وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : كان الناس على عهد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أمّة واحدة كافرين كلهم ، فبعث اللّه ، إبراهيم وغيره من النبيين عليهم السّلام كما قال تعالى :
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
أي : اختلفوا فبعث اللّه وإنما حذف لدلالة فيما اختلفوا فيه عليه ، وجملة الأنبياء ، كما رواه الإمام أحمد مرفوعا في حديث ورد عن كعب « مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر » « 2 » والمذكور منهم في القرآن باسمه العلم الموضوع له ثمانية وعشرون نبيا ، وهم : آدم ، وإدريس ، ونوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، ولوط ، وموسى ، وهارون ، وشعيب ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وداود ، وسليمان ، وإلياس ، واليسع ، وذو الكفل ، وأيوب ، ويونس ، ومحمد ، عليهم أجمعين ، وذو القرنين وعزير ولقمان على القول بنبوّة الثلاثة .
مُبَشِّرِينَ
من آمن وأطاع بالجنة
وَمُنْذِرِينَ
من كفر وعصى بالنار
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ
المراد به الجنس فهو بمعنى الكتب لكنه تعالى لم ينزل مع كل واحد كتابا يخصه ، فإنّ أكثرهم لم يكن له كتاب يخصه ، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وقوله تعالى :
بِالْحَقِّ
حال من الكتاب أي : متلبسا بالحق شاهدا به
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
أي : اللّه ، أو الكتاب ، أو النبيّ المبعوث ، ورجح الثاني التفتازاني ، وقال : لا بدّ في عوده إلى اللّه من تكلف في المعنى أي : ليظهر حكمه ، وإلى النبيّ من تكلف في اللفظ حيث لم يقل : ليحكموا ، ورجح أبو حيان الأوّل ، وهو الظاهر قال : والمعنى أنه أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس ونسبة الحكم إلى الكتاب مجاز كما أن إسناد النطق إليه في قوله تعالى :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
[ الجاثية ، 29 ] كذلك
فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
من الدين
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ
أي : الدين
إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ
أي : الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي : عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيلا للاختلاف سببا لاستحكام الخلاف ، فآمن بعض وكفر بعض .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6447 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4120 .
( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 266 .