تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
ونزل في مؤمني أهل الكتاب عبد اللّه بن سلام وأصحابه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
أي : الإسلام وقوله تعالى :
كَافَّةً
حال من السلم لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ، كما قال القائل « 1 » :
أبا خراشة أما أنت ذا نفر * فإن قومي لم تأكلهم الضبع
في السلم تأخذ منا ما رضيت به * والحرب تكفيك من أنفاسها جزع
أي : ادخلوا في جميع شرائعه ، وذلك أنهم يعظمون السبت ، ويكرهون لحوم الإبل وألبانها بعدما أسلموا ، فأمروا أن يدخلوا في جميع شرائعه .
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ
أي : طرق
الشَّيْطانِ ،
أي تزيينه من تحريم السبت ولحوم الإبل وألبانها . وقرأ نافع وابن كثير والكسائي : السّلم بفتح السين ، والباقون بكسرها ، وتقدم الكلام في خطوات لابن عامر ، وقنبل وحفص والكسائي بضم الطاء
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
ظاهر العداوة .
فَإِنْ زَلَلْتُمْ
أي : ملتم عن الدخول في جميعه
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ
أي : الحجج الظاهرة أنه حق
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم
حَكِيمٌ
في صنعه . تنبيه : قول البيضاوي : حكيم لا ينتقم إلا بحق تبع فيه الزمخشري ، وهو مذهب المعتزلة فإنهم يقولون : لا ينتقم إلا بقدر ما يستحقه العاصي ، ومذهب أهل السنة أنه ينتقم ويعاقب من شاء بما شاء وإن كان مطيعا ؛ إذ هو متصرّف في ملكه يفعل ما يشاء بمن شاء وإن لم يقع منه الانتقام إلا ممن أساء . وروي أنّ قارئا قرأ غفور رحيم بدل عزيز حكيم فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال : إن كان هذا كلام اللّه فلا يذكر الغفران عند الزلل ؛ لأنه إغراء عليه . قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ
استفهام في معنى النفي أي : ما ينظرون
إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
أي : أمره أو بأسه كقوله تعالى :
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
[ النحل ، 33 ] أي : عذابه وقوله تعالى :
جاءَهُمْ بَأْسُنا
[ الأنعام ، 43 ] أو يأتيهم اللّه ببأسه فحذف المأتيّ به للدلالة عليه بقوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
فِي ظُلَلٍ
جمع ظلة وهي ما أظلك
مِنَ الْغَمامِ
أي : من السحاب الأبيض سمي غماما لأنه يغم أي : يستر ، وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة وهي نزول المطر فإذا جاء منه العذاب كان أفظع ؛ لأنّ الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب ، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير .
وَ
تأتيهم
الْمَلائِكَةُ
فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ببأسه . قال البغويّ : والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى اللّه تعالى ، ويعتقد أن اللّه تعالى منزه عن سمات الحوادث وعلى ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة انتهى . وأما أئمة الخلف فإنهم يؤوّلون هذه الآية بنحو ما أوّلنا به وأمثالها ، بحسب المقام وهو أحكم ، ومذهب السلف أسلم ، وكان مكحول ومالك والليث وأحمد يقولون في هذا وأمثاله : أمروها كما جاءت بلا كيف .
هامش
( 1 ) البيتان من البسيط ، وهما للعباس بن مرداس في ديوانه ص 128 .