تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
كسبوا من الأعمال الحسنة ، أو من أجل ما كسبوا كقوله تعالى :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا
[ نوح ، 25 ] ، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين جميعا ، وأن لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
أي : إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية فكر ، قال الحسن : أسرع من لمح البصر ، وفي الحديث : « يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا » « 1 » .
وَاذْكُرُوا اللَّهَ
أي : كبروه أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها ،
فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
أي : أيام التشريق الثلاثة وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى :
دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
[ يوسف ، 20 ] ، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر ، والتكبير في الأيام المعدودات عقب كل صلاة ولو فائتة ونافلة مشروع في حق الحاج وغيره ، لكن غير الحاج يكبر من صبح يوم عرفة إلى عقب عصر آخر أيام التشريق للاتباع ، رواه الحاكم « 2 » وصحح إسناده . وأما الحاج فيكبر من ظهر يوم النحر لأنها أوّل صلاته بمنى ، ولا يسن التكبير عقب صلاة عيد الفطر لعدم وروده .
فَمَنْ تَعَجَّلَ
أي : استعجل بالنفر من منى
فِي يَوْمَيْنِ
أي : في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره بعد الزوال عند الشافعيّ وأصحابه قال في « الكشاف » وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
بالتعجيل
وَمَنْ تَأَخَّرَ
حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره بعد زواله عندنا ، أو قال في « الكشاف » : يجوز تقديم الرمي على الزوال عند أبي حنيفة
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
بذلك أي : هم مخيرون في ذلك . فإن قيل : أليس التأخير أفضل ؟ أجيب : بأنّ التخيير يقع بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار ، وإن كان الصوم أفضل عند عدم المشقة ، وقيل : إن أهل الجاهلية كانوا فريقين : منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما ، فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا ، وذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر
لِمَنِ اتَّقى
اللّه تعالى في حجه ، لأنه الحاجّ على الحقيقة عند اللّه تعالى ، وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » « 3 » .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في مجامع أموركم ليعبأ بكم
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ
أي : يعظم في نفسك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس ، وهو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبيّ وسمي الأخنس ، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن القتال مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان منافقا حلو المنظر ، حلو الكلام للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يحلف أنه مؤمن به ومحب له ، ويقول : يعلم اللّه أني صادق ، وكان رسول صلّى اللّه عليه وسلّم يدني مجلسه . وقوله تعالى :
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
متعلق بالقول ، أي : يعجبك ما يقول في أمور الدنيا
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 283 ، بلفظ : « يحاسبكم اللّه بمقدار ما بين الصلاتين » . ( 2 ) انظر الحاكم في المستدرك 1 / 439 . ( 3 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 154 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين