فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز ، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي المكان واليوم بما ذكر .
فإن قيل : هلّا منعت الصرف وفيها السببان : العلمية والتأنيث أجيب : بأن التأنيث لا يخلو :
إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وأما بتاء مقدرة كما في سعاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع التأنيث ولا يصح تقدير التاء فيها لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما ، لا تقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي فيها هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها ، وفي الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ إذا تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه ، فكأنه قيل بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا اللّه ، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها ، فوجب أن يكون الوقوف بها واجبا ، وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج » « 1 » .
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات وقيل : بصلاة المغرب والعشاء
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
وهو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح ، وفي الحديث « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقف به يذكر اللّه تعالى ويدعو حتى أسفر جدّا » « 2 » رواه مسلم . وقال جابر « دفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أتى بالمزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام استقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفا حتى أصبح جدا » « 3 » .
وقوله تعالى :
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر ، ويسمى مشعرا من الشعار وهي : العلامة ؛ لأنه من معالم الحج ، ووصف بالحرام لحرمته وتسمى المزدلفة جمعا ؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال : لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ، وقيل : سميت جمعا لأنّ آدم اجتمع فيها مع حوّاء عليهما الصلاة والسّلام وازدلف إليها أي : دنا منها وقيل : وصفت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى اللّه تعالى أي : يتقرّبون بالوقوف فيها .
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل .
وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ
أي : الهدى
لَمِنَ الضَّالِّينَ
أي : الجاهلين بالإيمان والطاعة ، وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وقيل : إن هي النافية واللام بمعنى إلا كقوله تعالى :
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
[ الشعراء ، 186 ] أي : ما نظنك إلا من الكاذبين .
ثُمَّ أَفِيضُوا
يا قريش
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
وذلك أنهم وحلفاءهم ومن دان بدينهم وهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعا عليهم ، ويقولون : نحن
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الحج حديث 889 ، والنسائي في المناسك حديث 3016 ، وابن ماجة في المناسك حديث 3015 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 1218 ، وأبو داود في المناسك حديث 1905 ، وابن ماجة في المناسك حديث 3074 .
( 3 ) انظر الحاشية السابقة .