يختارون على اللّه ما سواه ، والمشركون محبتهم لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب ، ولذلك كانوا إذا اتخذوا صنما أحسن منه طرحوا الأوّل واختاروا الثاني ، وربما يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عند المجاعة ، ويعرضون عن معبودهم في وقت البلاء ، ويقبلون على اللّه كما أخبر اللّه تعالى عنهم فقال :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ العنكبوت ، 65 ] والمؤمن لا يعرض عن اللّه تعالى في السرّاء والضرّاء ، والشدّة والرخاء .
وقيل : إنما قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
لأنّ اللّه أحبهم أولا ثم أحبوه ، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتمّ قال اللّه تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة ، 54 ] فمحبة العبد للّه طاعته والاعتناء بتحصيل مراضيه ، ومحبة اللّه للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : باتخاذ الأنداد
إِذْ يَرَوْنَ
أي : يبصرون
الْعَذابَ
يوم القيامة وإذ بمعنى إذا أو أجري المستقبل وهو يرى مجرى الماضي لأنّ إذ موضوعة للماضي ؛ والمعنى هنا على الاستقبال لتحققه كقوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الأعراف ، 44 ]
أَنَّ
أي : بأنّ
الْقُوَّةَ
أي : القدرة والغلبة
لِلَّهِ
وقوله تعالى :
جَمِيعاً
حال
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
وجواب لو محذوف ، والتقدير لو يعلمون أنّ القدرة للّه جميعا ؛ إذ عاينوا العذاب لندموا أشدّ الندم ، والفاعل ضمير السامع أو الذين ظلموا ، ويرى بمعنى يعلم ، وأنّ وما بعدها سدّت مسدّ المفعولين .
وقرأ نافع وحده بالتاء على الخطاب أي : ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت أمرا عظيما ، وأمال السوسي الألف المنقلبة بعد الراء في الوصل بخلاف عنه ، وغلظ ورش اللام بعد الظاء ، وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء ، والباقون بفتحها .
إِذْ
بدل من إذ قبله
تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا
وهم الرؤساء
مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
وهم الأتباع أي : ينكر الرؤساء إضلال الأتباع يوم القيامة حين يجمع اللّه القادة والأتباع
وَ
قد
رَأَوُا الْعَذابَ
أي : رائين له فالواو للحال ، وقد مضمرة كما قدرتها وقيل : عطف على تبرأ ، وقوله تعالى :
وَتَقَطَّعَتْ
عطف على تبرأ ، وقوله تعالى :
بِهِمُ
بمعنى عنهم
الْأَسْبابُ
أي : الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصدقات وصارت مخالفتهم عداوة .
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
أي : الأتباع
لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
أي : رجعة إلى الدنيا
فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
أي : الرؤساء
كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا
اليوم ، ولو للتمني ولذلك أجيب بالفاء
كَذلِكَ
أي : مثل ذلك الإراء الفظيع
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
أي : السيئة وقوله تعالى :
حَسَراتٍ
أن تنقلب ندمات
عَلَيْهِمْ
ثالث مفاعيل يرى إن كان من رؤية القلب والإفحال ، وقوله تعالى :
وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ
أصله وما يخرجون ؛ لأنّ المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية ، لكن عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا .
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 168 إلى 176 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 )
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )