تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ما أَلْفَيْنا
أي : وجدنا وأدركنا أو علمنا ، وألفي تتعدّى إلى مفعولين وهما قوله
عَلَيْهِ آباءَنا
من عبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ، فإنهم كانوا خيرا وأعلم منا قال اللّه تعالى :
أَ وَلَوْ كانَ
أي : أيتبعونهم ولو كان
آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
أي : من أمر الدين لا شيئا مطلقا ، فإنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا ، فلفظه عام ومعناه الخصوص
وَلا يَهْتَدُونَ
أي : الحق والهمزة للإنكار والواو للحال أو العطف وجواب لو محذوف أي : لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم .
وَمَثَلُ
أي : صفة
الَّذِينَ كَفَرُوا
ومن يدعوهم إلى الهدى
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
أي : صوتا ولا يفهم معناه والنعيق التصويت يقال : نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن قال الأخطل « 1 » :
فانعق بضأنك يا جرير فإنما * منتك نفسك في الخلاء ضلالا
وأمّا نفق الغراب فبالغين المعجمة والمعنى أنهم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهم . وقيل : معنى الآية مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ولا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء ، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة إلا العناء والدعاء كما قال تعالى :
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ
[ فاطر ، 14 ] ثم وصف سبحانه وتعالى الكفار بصفات ذم فقال :
صُمٌّ
أي : هم صم عن سماع الحق ، تقول العرب لمن يسمع ولا يعقل ما يقال له إنه أصم
بُكْمٌ
عن الخير لا يقولونه
عُمْيٌ
عن الهدى لا يبصرونه
فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
الموعظة لإضلال نظرهم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ
أي : حلالات
ما رَزَقْناكُمْ .
روى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يا أيها الناس إنّ اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ
[ المؤمنون ، 51 ] وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »
ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك ؟ » « 2 » . ولما وسع اللّه تعالى الأمر على الناس كافة ، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرّم عليهم ، أمر المؤمنين منهم أن يتحرّوا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
على ما رزقكم وأحل لكم
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
أي : إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرّون أنه مولى النعم ، فإن عبادته لا تتم إلا بالشكر فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو يعدم عند عدمه . روى البيهقيّ وغيره أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يقول اللّه تعالى : إني والجنّ والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري » « 3 » . ثم بيّن سبحانه وتعالى المحرّمات بقوله :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
أي : أكلها إذ الكلام فيه
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان الأخطل ص 253 ، ولسان العرب ( نعق ) ، وتاج العروس ( نعق ) ، والبيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص 216 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 1015 ، والترمذي في التفسير حديث 2989 ، والدارمي في الرقاق حديث 2717 . ( 3 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 116 ، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 5 / 189 .