تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
ولما سمع المشركون هذه الآية وكان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما تعجبوا وقالوا : إن كنت صادقا فائت بآية نعرف بها صدقك . فنزل :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إلى آخر الآية . فإن قيل : لم جمع السماوات وأفرد الأرض ؟ أجاب البيضاويّ : بأنّ السماوات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين اه . وهذا إنما يأتي على قول بعض الحكماء أنّ المراد بالأرضين الأقاليم ، والأولى ما أجاب به البغوي من أنّ كلا منها جنس آخر ، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب أي : فهي طبقات كالسماوات ، والآية في السماوات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة ، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك والآية في الأرض مدّها أو بسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات وغير ذلك .
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
أي : تعاقبهما في المجيء والذهاب يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي : بعده قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
[ الفرقان ، 62 ] قال عطاء : أراد اختلافهما في النور والظلمة ، والزيادة والنقصان ، والليل : جمع ليل ، والليالي : جمع الجمع ، والنهار : جمع نهر . وقدّم الليل على النهار في الذكر ؛ لأنه أقدم قال تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس ، 37 ]
وَالْفُلْكِ
أي : السفن
الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
من التجارة والحمل ، والآية فيها تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقورة لا ترسب تحت الماء . تنبيه : أنث الفلك ؛ لأنه بمعنى السفينة ؛ لأنّ واحد السفن وجمعه سواء إذ لو كانت بمعنى المركب لذكرها مع أنها في اللغة تذكر وتؤنث ، قال تعالى :
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[ الصافات ، 140 ] وضمة الجمع غير ضمة الواحدة تقديرا ؛ إذ هي في الجمع كالضمة في حمر ، وفي الواحد كالضمة في قفل ، قال البيضاوي : والقصد به أي : الفلك إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك بالذكر ؛ لأنه سبب الخوض فيه أي : البحر والاطلاع على عجائبه ، ولذلك قدّمت على ذكر المطر والسحاب ؛ لأنّ منشأهما البحر في غالب الأمر اه . فجعل الآية في البحر لا في السفن ، والأولى جعل الآية فيها وقوله ؛ لأنّ منشأهما البحر هو قول الحكماء والإشارة على خلافه وهو الذي دلت عليه الأخبار . قال شيخنا القاضي زكريا : وحاصله : أنّ السحاب من شجرة مثمرة في الجنة ، والمطر من بحر تحت العرش
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
أي : مطر . تنبيه : من الأولى للابتداء ، والثانية للبيان ، قال البغويّ : قيل : أراد بالسماء السحاب يخلق اللّه الماء في السحاب ، ثم من السحاب ينزل . وقيل : أراد بالسماء المعروفة يخلق اللّه الماء في السماء ، ثم ينزل من السماء إلى السحاب ؛ ثم من السحاب ينزل إلى الأرض اه . وفيه ما مرّ
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ
بالنبات
بَعْدَ مَوْتِها
أي : يبسها وجدوبتها
وَبَثَّ
أي : فرّق ونشر بالماء
فِيها
في الأرض
مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ .
فإن قيل : هل بث عطف على أنزل أو أحيا ؟ أجيب : بأنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة ؛ لأن قوله : فأحيا به الأرض عطف على أنزل ، فاتصل به وصارا جميعا كالشئ الواحد ،