تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
فكأنه قيل : وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ، ويجوز عطفه على أحياء على معنى ، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة ؛ لأن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي : المطر
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
إلى قبول ودبور ، وجنوب وشمال ، فالقبول : الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ، والدبور : تقابلها ، والشمال : التي تهب من جانب القطب ، والجنوب : تقابلها . قال ابن عباس : أعظم جنود اللّه الريح والماء ، وسميت الريح ريحا ؛ لأنها تريح النفوس . قال شريح القاضي : ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح . فائدة : البشارة في ثلاث : من الرياح في الصبا ، والشمال والجنوب . أمّا الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها ، وقيل الرياح ثمانية : أربعة للرحمة وهي : المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات ، وأربعة للعذاب : وهي العقيم والصرصر في البر ، والعاصف والقاصف في البحر . وقرأ حمزة والكسائيّ : الريح بالتوحيد ، والباقون بالجمع . فائدة أخرى : كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القرّاء على توحيدها ، وما فيها ألف ولام كما هنا ، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأوّل في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها ، والريح تذكر وتؤنث
وَالسَّحابِ
أي : الغيم
الْمُسَخَّرِ
أي : المذلل بأمر اللّه يسير حيث شاء اللّه
بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أنّ الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر اللّه . وقيل : تسخير السحاب تقليبه في الجوّ بمشيئة اللّه واشتقاقه من السحب ؛ لأنّ بعضه يجر بعضا
لَآياتٍ
أي : دلالات واضحات على وحدانية اللّه تعالى
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
أي : ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون ؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة . وقول البيضاويّ : وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها » « 1 » . أي : لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها . قال الوليّ العراقيّ : لم أقف عليه . وقال السيوطي : لم يرد في هذه الآية ولا بهذا اللفظ ، ثم قال عن عائشة أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنزل عليّ الليلة
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ »
ثم قال : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » « 2 » . قيل : للأوزاعيّ ما غاية التفكر فيهنّ ؟ قال : يقرأهنّ وهو يعقلهنّ انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضا في هذه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاويّ : وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى . ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام ؛ لأنه محمول على التوغل فيه ، فيصير فلسفيا .
وَمِنَ النَّاسِ
وهم المشركون
مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غيره
أَنْداداً
أي : أصناما يعبدونها
يُحِبُّونَهُمْ
بالتعظيم والخضوع
كَحُبِّ اللَّهِ
أي : كحبهم له كما قال الزجاج : يحبون الأصنام كما يحبون اللّه ؛ لأنهم أشركوها مع اللّه ، فسووا بين اللّه وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين اللّه
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
أي : أثبت وأدوم على حبه ؛ لأنهم لا
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 9 / 119 ، و 10 / 210 ، والفتني في تذكرة الموضوعات 81 ، والزمخشري في تفسيره 1 / 237 . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 9 / 47 ، و 119 ، 10 / 63 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 111 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 2576 .