تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 709

مساهمون:

ص٧٠٩
مترقبا لوروده مستعدا لشكره .
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً
( 2 )
شرح
هنا لمجرد الوقت وأن فتح مكة كان سنة ثمان ونزلت هذه السورة سنة عشر . وروي أنه عليه الصلاة والسّلام عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوما ، ولذلك سميت سورة التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا والتوجه إلى دار البقاء . وروي أنه عليه الصلاة والسّلام عاش بعد نزولها ستين يوما مستديما للتسبيح والاستغفار . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنه عليه الصلاة والسّلام كان بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي . وقال مقاتل : إنه عليه الصلاة والسّلام عاش بعد نزولها حولا . واعلم أن صفات الحق تعالى منحصرة في قسمين : سلبية وثبوتية والسلوب متقدمة على الإيجابات ، والتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية لواجب الوجود وهي صفات الجلال والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له تعالى وهي صفات الإكرام . ولما أمره اللّه تعالى بالاشتغال بذكره بصفاته السلبية والثبوتية أمره بعده بالاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس وكمال وجود الحق ، وفيه أيضا طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس من حضرة وهاب العطايا . وهذا الطريق أعني النزول من المؤثر إلى الأثر أشرف طرق السائرين ، فإن لهم طريقين في مسيرهم منهم من يقول : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه بعده ومنهم من يقول : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ، ولا شك أن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل من الصعود من الأثر إلى المؤثر لأن الاستدلال بالأصل على التبع أقوى من الاستدلال بالتبع على الأصل ، ولكون هذه الطريقة أشرف الطريقتين قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالخلق وهو النفس ، فذكر في حق الاشتغال بالخالق أمرين : التسبيح والتحميد وفي حق الاشتغال بالنفس : الاستغفار وهو حالة ممزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق . قوله تعالى :( يَدْخُلُونَ )في موضع النصب على أنه حال من « الناس » إن جعلت الرؤية بصرية أو بمعنى المعرفة ، وإن جعلت بمعنى العلم كان مفعولا ثانيا لها و « أفواجا » حال من الضمير في « يدخلون » . والفوج الجماعة الكثيرة . روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما فتح مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذا ظفر بأهل الحرم فليس لأحد به طاقة . وقد كان اللّه تعالى أجارهم من أصحاب الفيل ومن كل من أرادهم بسوء ، ثم أخذوا يدخلون في دين الإسلام أفواجا من غير قتال . وقصة فتح مكة أنه لما وقع صلح الحديبية وانصرف عليه الصلاة والسّلام أغار بعض من كان في عهد قريش على خزاعة وكانوا في عهده عليه الصلاة والسّلام ، فجاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعظم ذلك عليه عليه الصلاة والسّلام ثم قال : « أما إن هذا العارض ليخبرني أن النصر يجيء من عند اللّه تعالى » . ثم قال لأصحابه : « انظروا فإن أبا سفيان يجيء ويلتمس أن يجدد العهد » فلم يمض ساعة إلا جاء الرجل ملتمسا لذلك فلم يجبه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أحد