ولذلك أفرد ذكره ، وكذا الكلام في قوله :
وَالْأَرْضِ وَما طَحاها ( 6 ) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
( 7 ) وجعل المآت مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) بقوله :
وَما سَوَّاها
إلا أن يضمر فيها اسم اللّه للعلم به وتنكير « نفس » للتكثير كما في قوله :
عَلِمَتْ نَفْسٌ
[ الانفطار : 5 ] أو للتعظيم والمراد نفس آدم وإلهام
شرح
نعتا نحويا كما يوصف « بالذي » فإن « ما » و « من » الموصولتين لا يوصف بهما بخلاف « الذي » بل المراد أن « ما » قد تستعمل في الصفات ، فيقال إذا أريد أن يسأل عن صفة زيد : ما زيد ؟
فيجاب عنه بأنه فقيه أو طبيب ، وإذا أريد أن يسأل عن ذاته يقال : من هذا ؟ والجواب عنه أن يقال : هذا زيد . قوله : ( ولذلك أفرد ذكره ) أي ولكون المقصود من إيثار « ما » على من الدالة على معنى الوصفية والقدرة الكاملة أفرد ذكر البناء الدال على القادرية وجعل صلة « ما » ليدل عليها ، لأن شأن الصلة أن تميز الموصول وتعينه . قوله تعالى :( وَما طَحاها )الطحو الدحو وهو البسط ، وإبدال الطاء من الدال جائز . قال عطاء والكلبي : بسطها على الماء . وقيل :
طحاها من تحت الكعبة . والنفس إن حملت على الجسد فتسويتها عبارة عن تعديل أعضائها بعضها ببعض كما يشهد به علم التشريح ، وإن حملناها على القوة المدبرة فتسويتها تكميل أمرها بإعطائها من القوى ما يتم به جميع أحوالها . وبعض تلك القوى محركة وهي اثنتان :
شهوية وغضبية وبعضها مدركة وهي عشر الحواس : الخمس الظاهرة والخمس الباطنة ، وبعضها لا محركة ولا مدركة وهي سبع : الغاذية والنامية والمولدة والجاذبة والهاضمة والماسكة والدافعة . قوله : ( وجعل المآت مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ) أي يجرد المنوي في « ألهمها » عما يرجع هو إليه فإن المآت التي في قوله : « وما بناها » و « ما طحاها » و « ما سواها » إن كانت مصدرية لا يكون مذكورا إلا السماء والأرض ، والنفس وما يتعلق بها من المعاني المصدرية وهي البناء والطحو والتسوية وشيء منها لا يصلح لأن يرجع إليه المنوي في « ألهمها » وقوله : « إلا أن يضمر فيها اسم اللّه للعلم به » استثناء من قوله : « يجرد الفعل عن الفاعل » وإشارة إلى أن سبق الذكر ليس شرطا في إرجاع الضمير إذا كان المرجوع إليه لنباهة شأنه مما لا يغيب عن العقل كقوله :إِنَّا أَنْزَلْناهُ[ يوسف : 2 ؛ الدخان : 3 ؛ القدر : 1 ] وقوله :وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها[ فاطر : 45 ] . قوله :
( ويخل بنظم قوله فألهمها بقوله وما سواها ) وذلك أنه على تقدير أن تكون « ما » مصدرية يلزم عطف الفعل على الاسم لأنه يكون تقدير الكلام حينئذ : ونفس وتسويتها فألهمها . ولا خفاء في ركاكة هذا النظم ويمكن أن يقال : لا بعد في أن تجعل « ما » مصدرية ويكون « فألهمها » عطفا على سواها بأن يكون هو أيضا في تأويل المصدر على معنى وتسويتها فإلهامها فجورها . غاية ما في الباب أن يكون « فألهمها » كالأفعال السابقة وهي بناها وطحاها وسواها