كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل ، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال عليه السّلام : « إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه » والرين الصدأ . وقرأ حفص « بل ران » بإظهار اللام . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر « بل رين » بالإمالة .
كَلَّا
ردع عن الكسب الرائن .
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
( 15 ) فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك ، أو قدر مضافا مثل : رحمة ربهم أو قرب ربهم .
شرح
جمع فلس ، والسطر بفتح الطاء مثله ويجمع على أسطار مثل سبب وأسباب ، ثم يجمع على أساطير والأساطير الأباطيل جمع أسطورة بالضم ، أو إسطارة بالكسر . فأساطير الأولين أحاديثهم وأخبارهم الباطلة . قوله : ( رد لما قالوه ) من أن ما يتلى عليهم أساطير يعني أن كلمة « بل » ههنا للإضراب عن قولهم ذلك بعد ردعهم عنه ، وأن وجه الإضراب عنه إبطاله . وقد يكون الإضراب لمجرد الإعراض عما سبق وجعله في حكم المسكوت عنه مع الشروع فيما هو أهم ، وههنا أضرب عنه لبطلانه في نفسه وشرع في بيان ما أدى بهم إليه كأنه قيل : ليس الأمر كما يقولون من أنه أساطير بل كان ما كسبوه من الأفعال القبيحة سببا لحصول الرين وهو الدنس والصدأ في قلوبهم ، فلذلك أضرب عن ذلك القول الباطل .
قوله : ( فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات ) تعليل لكون الانهماك في المعاصي سببا لغلبة حب المعاصي عليهم ، فإن الإنسان كلما تكرر عليه مباشرة المعصية حصلت في قلبه ملكة نفسانية يزول بسببها اتقاؤه عن ارتكابها بل يزداد ميله ورغبته فيها ، فذلك رين ودنس وظلمة على القلب مانعة من إدراك الحق والباطل ، كما أن الطاعات لها أنوار وضياء معينة لمعرفة الحق والباطل ، فكلما كثرت الذنوب ازداد القلب ظلمة واسودادا وبحسب اسوداده يزداد المرء وقاحة حتى إذا اسودّ القلب كله - والعياذ باللّه تعالى - لم يبق في قلبه شيء من المعرفة والحياء ، ويرتفع بالكلية ما يمنعه عن ارتفاع الشهوة والغضب فيغلب عليه حب المعاصي بحيث لا يقدر على الامتناع عنها . وكلمة« ما »في قوله تعالى :ما كانُوا يَكْسِبُونَيجوز أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة وراجعها محذوف ومحلها على التقديرين الرفع على الفاعلية أي غلب على قلوبهم كسبهم الذي كانوا يكسبونه . قوله : ( فلا يرونه بخلاف المؤمنين ) وهذه الآية من جملة أدلة الرؤية ، فإن المؤمنين لو لم يروه في الآخرة كالكفار لما كان لتخصيص الكفار بأنهم محجوبون عن اللّه تعالى فائدة . وأيضا أنه ذكر الحجاب هنا في معرض الوعيد والتهديد للكفار وما يكون