وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
( 36 ) لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه ، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم . وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل : يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه .
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) يكفيه في الاهتمام به . وقرىء « يعنيه » أي يهمه
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ
( 38 ) مضيئة من أسفر الصبح إذا أضاء
ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
( 39 ) بما ترى من النعيم .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ
( 40 ) غبار وكدورة
تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
( 41 ) يغشاها سواد وظلمة .
أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
( 42 ) الذين جمعوا إلى الكفر الفجور فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة . قال عليه الصلاة السّلام : « من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر » .
شرح
أحوال القيامة للمناسبة بين شرحها وبين تعداد النعم المذكورة في كونها داعية إلى الإيمان والطاعة . فإن الإنسان إذا سمع أحوال القيامة خاف فيدعوه الخوف منها إلى التأمل في دلائل الحق فقال :فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُوجواب « إذا » محذوف يدل عليه قوله :يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُإلى قوله :لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[ عبس : 37 ] والتقدير : فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه . وقوله :يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُبدل من « إذا » ولا يجوز أن يكون يغنيه عاملا في « إذا » ولا في « يوم » لأنه صفة لشأن ومعمول الصفة لا يتقدم على الموصوف . قوله : ( أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم ) بأن يقول الأخ : لم تواسني بما لك ؟ ويقول الأبوان : قصرت في برنا ، والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت ، والبنون : لم تؤدبنا ولم تعلمنا . وقيل : أول من يفر من أخيه هابيل من قابيل لأنه العاصي ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح عليه الصلاة والسّلام . قوله : ( وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة ) أي في بيان اشتغال كل أحد بنفسه فإنه بدأ بالأخ لأنه شقيقه ، ثم بالأبوين لأنهما أقرب إليه من الأخ ، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم ألصق بالصلب وأعلق بالنفس . كأنه قيل : يفر من أخيه وكيف لا يفر منه ؟ وهو يفر من أبويه وكيف لا يفر منهما ؟ وهو يفر ممن هو أحب إليه منهما وهو الصاحبة والبنون . قوله : ( وقرىء يعنيه ) بفتح الياء وبالعين المهملة من قولهم : عناني الأمر أي أهمني وقصدني . ثم إنه تعالى لما ذكر أحوال يوم القيامة وأهوالها بيّن أن المكلفين فيه على قسمين وميز أحدهما عن الآخر بما يعرض لوجوههما يومئذ . يقال : أسفر الصبح إذا أضاء ، والغبرة الغبار والقترة سواد كالدخان ، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما إذا اغبرّ وجه الزنجي ، فكأنه تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة كما جمعوا بين الكفر والفجور . وفي الحديث : « إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة يذري ذلك التراب في وجوه الكفار » . تمت سورة عبس بحمد اللّه وعونه .