مصدرية .
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ
وأظهرت
لِمَنْ يَرى
( 36 ) لكل راء بحيث لا تخفى على أحد . وقرىء و « برزت » و « لمن رأى » و « لمن ترى » على أن فيه ضمير « الجحيم » كقوله تعالى :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ الفرقان : 12 ] أو أنه خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أي لمن تراه من الكفار . وجواب
« فَإِذا جاءَتِ »
محذوف دل عليه يوم يتذكر الإنسان أو ما بعده من التفصيل .
فَأَمَّا مَنْ طَغى
( 37 ) حتى كفر
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
( 38 ) فانهمك فيها ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس .
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
( 39 ) هي مأواه .
شرح
قوله : ( لكل راء ) هذا العموم مستفاد من لفظة « من » لأنها من ألفاظ العموم ويرى منزل منزلة اللازم ، وهذا العموم لا ينافيه قوله تعالى في سورة الشعراءوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ[ الشعراء : 90 ، 91 ] لأن إظهارها إنما هو لتهديد الغاوين خاصة ولكن المؤمنون يرونها أنها مأوى الكفار ومثواهم والمؤمنون يمرون عليها حال مجاوزة الصراط ، ويؤيده قوله تعالى :وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها[ مريم : 71 ] إلى قوله :ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا[ مريم : 72 ] ويحتمل أن يكون إظهارها لكل راء عبارة عن إظهارها إظهارا بينا لأنها صور أعمال المبطلين أبرزها تعالى يوم البعث بصور الحقيقة ليجازوا بها جزاء وفاقا ، ولا يلزم منه أن يراها كل راء بل يجوز أن لا يراها إلا صاحب تلك الأعمال كما لا يرى جنة الأعمال الصالحة إلا أهلها . قوله : ( دل عليه يوم يتذكر ) أي إذا جاءت يتذكر الإنسان سعيه وما عمله ويعرفه كل ما يستحقه ومأواه . قوله : ( أو ما بعده ) أي يجوز أن يكون جواب « إذا » محذوفا دل عليه قوله تعالى :فَأَمَّا مَنْ طَغىإلى آخر الآية كأنه قيل : فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك أي فإن الطاغي للجحيم وهي مأواه ، وأن الخائف للجنة وهي مأواه .
فإن قيل : على ما ذكرت يكون الجواب هو الجملة الشرطية المصدر ب « أما » التفصيلية الدالة على تفصيل ما أجمل سابقا ولم يسبق في الكلام مجمل حتى تكون كلمة « أما » تفصيلا له فيكون لغوا خاليا عن الفائدة . قلنا : إنها ليست للتفصيل هنا بل هي حرف جيء بها توكيد ترتب الجزاء على الشرط وبيان أن الحكم ثابت البتة كما في قولك : أما زيد فمنطلق ، فإن معناه مهما يكن من شيء فزيد منطلق أي أن يقع في الدنيا شيء يقع انطلاق زيد مرتبا عليه .
والمقصود القطع بوقوع الانطلاق حيث جعل وقوعه لازما لوقوع شيء ما في الدنيا . وفي شرح الرضي : جواز السكوت على مثل قولك : ما زيد فقائم يرفع دعوى لزوم التفصيل فيها .
ويحتمل أن يكون قوله : « أو ما بعده » معطوفا على قوله : « يوم يتذكر » والمعنى أو دل على الجواب المحذوف ما بعد قوله :يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُمن التفصيل وتقدير الكلام فإذا جاءت الطامة الكبرى يقع ما لا يدخل تحت الوصف والبيان ويكون قوله :فَأَمَّا مَنْ طَغىتفصيلا لذلك المحذوف .