لما بينهن من الملابسة .
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
( 16 ) مثلها به لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عما حوله .
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
( 17 ) أنشأكم منها فاستعير الإنبات للإنشاء لأنه أدل على الحدوث والتكوّن من الأرض ، وأصله أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية .
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها
مقبورين
وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً
( 18 ) بالحشر وأكده بالمصدر أكد به الأول دلالة على أن الإعادة محققة كالبدء وأنها تكون لا محالة
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً
( 19 ) تتقلبون عليها
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً
( 20 ) واسعة جمع فج . و « من » لتضمن الفعل معنى الاتخاذ
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي
فيما أمرتهم به
وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً
( 21 ) واتبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترين بأولادهم بحيث صار ذلك سببا لزيادة خسارهم في
شرح
والأرض . وقيل : إنه نور لأهل الأرض . قوله : ( مثلها به ) يعني أن قوله تعالى :وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاًمن باب التشبيه البليغ شبهت به من حيث إن كل واحد منهما يزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض ، فإن الليل عبارة عن ظل الأرض الحاصل في الجو بسبب حيلولة الأرض بينه وبين الشمس وبطلوع الشمس تزول الحيلولة وما يستند إليها من الظل كما يزول ذلك بضوء السراج والتشبيه لا يقتضي المماثلة بين المشبه والمشبه به من جميع الوجوه حتى يقال : ضوء السراج عرضي كضوء القمر بخلاف ضوء الشمس فإنه ذاتي ، فتشبيه القمر بالسراج أولى من تشبيه الشمس به . قوله : ( فاستعير الإنبات للإنشاء ) استعارة أصلية ، ثم اشتق من الإنبات المستعار لفظ « أنبتكم » فصار استعارة تبعية . حمل الكلام على الاستعارة لتعذر حمله على الحقيقة لأن الإنبات إخراج فروع ما رسخ عروقه في الأرض ، ولا شك أن إيجاد الإنسان ليس على هذا الوجه . وإنشاء بني آدم من الأرض إما بواسطة إنشاء أبيهم آدم عليه السّلام منها ، أو من حيث إنه تعالى خلق كل واحد منهم من النطفة المتولدة من الغذاء المتولد من النبات المتولد من الأرض . والنكتة في العدول إلى المجاز كون الإنبات أدل على الحدوث لأنهم إذا كانوا أنباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات . قوله : ( وأصله أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا ) يعني أن « نباتا » منصوب بفعل مقدر وهو نبتم وحذف لدلالة « أنبتكم » عليه التزاما ، فإن النبات لازم للإنبات ومطاوع له والملزوم يدل على لازمه . وقد شكا نوح عليه السّلام إلى ربه سبب عصيان قومه إياه فقوله بعد ذلك :رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِيتمهيد لما ذكره بعد بيان سبب عصيانهم إياه وهو تقليد رؤسائهم البطرين بالأموال والأولاد . قوله : ( بحيث صار ذلك سببا ) إشارة إلى أن إسناد الزيادة إلى المال والولد من قبيل إسناد الفعل إلى سببه ، فإن الأموال والأولاد وإن كانت من الأسباب التي يكتسب بها سعادة الآخرة بصرفها فيما خلقت لأجله إلا أنها إذا جعلت ذريعة لقضاء الشهوات النفسانية واستيفاء اللذات العاجلة