أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس . سميا بالصريم لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه أو كالرمال .
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ
أي اخرجوا ، أو بأن أخرجوا إليه غدوة . وتعدية الفعل ب « على » إما لتضمنه معنى الإقبال أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن لمعنى الاستيلاء .
إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ
( 22 ) قاطعين له .
شرح
ويطلق الصريم على الليل المظلم وعلى النهار أيضا لانصرام كل واحد منهما عن الآخر فهما من الأضداد ويقال لهما الصريمان ، فيحتمل أن يكون المراد بالصريم في الآية الليل المظلم لأن الجنة لما احترقت واسودت صارت كالليل . ويحتمل أن يراد به النهار لأنها لما يبست وذهبت خضرتها لم يبق فيها شيء من قولهم : ابيضّ الإناء إذا فرغ ، أو كالرمال فإن الصريم يطلق أيضا على قطعة ضخمة من الرمل منصرمة عن سائر الرمل ، وقيل : الصريم رملة معروفة باليمن لا تنبت شيئا . وعلى التقديرين شبّهت الجنة وهي محرقة بالرملة التي لا تنبت شيئا ولا يتوقع منها نفع ولا صلاح . نقل عن القرطبي أنه قال : في الآية دليل على أن العزم على المعصية مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم ، ونظيرها قوله تعالى :وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ[ الحج : 25 ] وقد صح أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » .
قيل : يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : « إنه كان حريصا على قتل أخيه » . وعن الراغب قال : أول ما يعرض من حديث النفس السانح ثم الخاطر ثم الإرادة ثم الهم ثم العزم ، والسانح والخاطر متجاوز عنهما بكل وجه وأنه متى صارا هما أو إرادة أو عزما فذلك عمل مأخوذ به ، وعلى هذا قال تعالى :وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ[ الأنعام : 120 ] وقال :أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ[ البقرة : 235 ] فهذا وجه التوفيق بينها وبين قوله عليه الصلاة والسّلام : « إن اللّه تجاوز لأمتي ما حدثت به نفسها » . وقوله عليه الصلاة والسّلام : « من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه » . هكذا وجدت . والإشكال بعد باق لأنه لم يظهر التوفيق بين الآيات وبين قوله عليه الصلاة والسّلام : « ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه » . واللّه أعلم . قوله : ( أي اخرجوا ) على أن تكون « أن » مفسرة حيث تقدمها ما هو بمعنى القول وقوله : « أو بأن أخرجوا إليه غدوة » على أن تكون « أن » مصدرية أي تنادوا بهذا الكلام . قوله : ( وتعدية الفعل بعلى ) مع أن أصل « غدا » أن يتعدى ب « إلى » ما لتضمنه معنى الإقبال أو معنى الاستيلاء حيث إنهم غدوا للصرم وتوهموا اقتدارهم واستيلاءهم عليه وغفلوا عما أراد اللّه تعالى بهم . وجواب قوله :إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَمحذوف لدلالة ما قبله عليه .