والتشبيه باعتبار المعنى إذ المراد : قل لهم كما قال عيسى ، أو كونوا أنصارا كما كان الحواريون حين قال لهم عيسى :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به من الحور وهو البياض وكانوا اثني عشر رجلا .
فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ
أي بعيسى
فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ
بالحجة أو بالحرب وذلك
شرح
معي فأجابوه : بأنا نلتزم ذلك وننصر دينه ونعين رسوله . قوله : ( والتشبيه باعتبار المعنى ) فإن ظاهر اللفظ يدل على تشبيه كونهم أنصارا لقول عيسى عليه الصلاة والسّلاممَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِلأن أداة التشبيه دخلت على ما هو بمعنى المصدر وهو القول لأن كلمة « ما » في قوله :كَما قالَمصدرية فلما لم يصح التشبيه باعتبار ظاهر اللفظ وجب المصير إلى جانب المعنى ، وذلك إما بأن يجعل الكلام خطابا من اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقدر « قل » قبل قوله :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوتقدير الكلام : قل لهم كما قال عيسى ، فالكاف منصوبة المحل على أنها صفة مصدر محذوف أي قل لهم قولا مثل قول عيسى للحواريين . وإما بأن يجعل الكلام ابتداء خطابا من اللّه تعالى للمؤمنين فإن المعنى حينئذ انصروا دين اللّه تعالى نصرا مثل نصر الحواريين عيسى ابن مريم ، أو كونوا أنصار اللّه كونا مثل كون الحواريين أنصار عيسى عليه الصلاة والسّلام حين قال لهم :مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِأي وقت قوله لهم من أنصاري إلى اللّه لأن كما قال في تأويل القول أقيم المصدر مقام الوقت كما في آتيك خفوق النجم وصياح الديك . قوله : ( والحواريون أصفياؤه ) وخواصه . وحواري الرجل صفيه من الحور وهو البياض الخالص ، سموا حواريين لخلوصهم عن كل ما ينافي صفاء المحبة والإخلاص من العيوب . روي أنه تعالى قال لعيسى عليه الصلاة والسّلام : إذا دخلت القرية فائت النهر الذي عليه القصارون فاسألهم النصر . فأتاهم عيسى عليه الصلاة والسّلام وقال : من أنصاري إلى اللّه فقالوا : نحن ننصرك فصدقوه ونصروه . قوله : ( وذلك ) أي تأييد مؤمنيهم على كفارهم كان بعد ما رفع عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فإنه عليه الصلاة والسّلام لما رفع إلى السماء تفرق قومه أربع فرق :
فرقة قالوا كان اللّه فارتفع ، وفرقة قالوا كان ابن اللّه فرفعه إليه ، وفرقة قالوا كان ثالث ثلاثة ، وفرقة قالوا كان عبد اللّه ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون . واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت الكافرون على المؤمنين حتى بعث سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى جميع الأنبياء ، فحينئذ ظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة وذلك قوله تعالى :فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَأي عالين غالبين من قولك : ظهرت على الحائط إذا علوت عليه ، وظاهرين خبر « أصبح » بمعنى صار . وقال زيد بن علي : فأصبحوا ظاهرين بالحجة والبرهان لأنهم قالوا فيما روي : ألستم تعلمون أن عيسى عليه السّلام كان