زيد جالسا .
إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها
شرط للشرط الأول في استيجاب الحل فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها ، فإنها جارية مجرى القبول والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكررا ثم الرجوع إليه في قوله :
خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله ، واحتج به أصحابنا على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى ، وقد خص عليه الصلاة والسّلام بالمعنى فيخص باللفظ . والاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه
شرح
قولك : اجلس ما دام زيد جالسا بمعنى مدة دوامه جالسا . قوله : ( شرط للشرط الأول ) أي قيد له ولذلك يقال في إعرابه إنه حال من الأول لأن الحال قيد لعامله ، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الشرط الثاني على الأول في الوجود فلو قال : إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل لتتحقق الحالية والتقييد ، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب جعل الأكل شرطا لطلاقها وجعل ركوب نفسه شرطا لكون الأكل مستلزما لطلاقها ، فلما كان الشرط الأول بمنزلة جزاء الشرط الثاني وجب أن يكون الشرط الثاني متقدما في الوجود على الأول لأن الشرط مقدم على الجزاء في الوجود حتى لو وجد الشرطان على الترتيب الذي تلفظ به لا ينحل اليمين ما لم يوجد الأول بعده ثانيا . فكأنه قيل : وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك أي إن ملكت نفسها إياك بالنكاح بلفظ الهبة من غير مهر حال إرادتك ومحبتك أن تنكحها على أن يكون استنكح بمعنى نكح كما يقال : نكر واستنكر وعجل واستعجل وعجب واستعجب كما أشار إليه بقوله : « إلا بإرادته نكاحها » فينبغي أن يكون قوله بعد هذا و « الاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه » بيانا لمعنى بناء الاستنكاح لغة لا بيانا لما أريد به في نظم الآية ، إذ ليس لأن يقال إن أراد النبي أن يطلب نكاحها وإن يرغب فيه معنى ظاهر ، فلذلك فسر الإمام النسفي قوله تعالى :إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهابقوله : إن أحب أن ينكحها كما يقال : نكر واستنكر .
قوله : ( واحتج به أصحابنا ) يعني أن قوله تعالى :خالِصَةً لَكَلما دل على أن حصول التزوج وحل ما يتفرع عليه من الاستمتاع بلفظ الهبة من خصائصه عليه الصلاة والسّلام لأن اختصاصه بمعنى الهبة وحكمها يستلزم اختصاصه باللفظ أيضا . قال الإمام :
قوله :خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَقال الإمام الشافعي رحمه اللّه : معناه إباحة الوطء بالهبة وحصول التزوج بلفظها من خصائصك . وقال أبو حنيفة : معناه تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدا بالتزويج . ثم قال : ويمكن أن يقال : فعلى هذا يكون التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه لأن أزواجه عليه الصلاة والسّلام كلهن خالصات له بهذا المعنى . انتهى كلامه . وقال علماؤنا رحمهم اللّه : إن النكاح ينعقد بلفظ