امرأة ولا الدعوة والبنوة في رجل ، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر ، وقيل لجميل بن أسد الفهري ذو القلبين ، والزوجة المظاهر منها كالأم ودعى الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي
شرح
إن فعل بأحد منهما ما يفعله بالآخر فحينئذ يلزم أن يكون الإنسان راضيا كارها موقنا شاكا في حالة واحدة وهو محال . قوله : ( ولا الدعوة والبنوة ) الدعوة بفتح الدال مصدر يراد به الدعاء إلى الطماع ، وبكسرها يستعمل في التبني وادعاء النسب . والأدعياء جمع دعي بمعنى مدعو فعيل بمعنى مفعول وأصله دعيو فأدغم وجمع على أدعياء على خلاف الأصل ، لأن أفعلاء إنما يكون جمعا لفعيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو : تقي وأتقياء وغني وأغنياء .
وأما إن كان فعيلا معتل اللام إلا أن بمعنى مفعول فكان القياس أن يجمع على فعلى كقتيل وقتلى وجريح وجرحى . ونظير هذا في الشذوذ قولهم : أسير وأسرى والقياس أسراء وقد سمع فيه الأصل . فقوله تعالى :وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْمعناه ما جعل من تبنيتموه أبناءكم نسخ اللّه تعالى به التبني . وكان الرجل في الجاهلية يتبنى رجلا فيدعوه الناس إليه ويرث ميراثه وكان النبي عليه الصلاة والسّلام أعتق زيد بن حارثة وتبناه ، فلما تزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أم المؤمنين زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قال المنافقون ؟ تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ونسخ التبني بها .
واللب والعقل واللبيب العاقل وكذا الأريب من الأرب وهو الدهاء وجودة الرأي . وكان كل واحد من أبي معمر وجميل رجلا لبيبا حافظا لما يسمعه من الوقائع مكثر الرواية الحوادث الماضية ، وكان لا يمر في طريق من طرق البلدان إلا ويعرفه بعد سنين متطاولة وكانت قريش تقول في حقهما : إنهما ما يحفظان هذه الأشياء إلا ولهما قلبان ، وكانا يدعيان بذلك وكان أبو معمر يقول : لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وروي أنه انهزم يوم بدر فمر بأبي سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له أبو سفيان : ما فعل الناس ؟ فقيل : هم ما بين مقتول وهارب فقال له : ما لي أرى إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك ؟ فقال : ما ظننت إلا أنهما في رجلي فعلم الناس يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده .
قوله : ( والزوجة المظاهر منها ) منصوب بالعطف على اللبيب أي ومن أن الزوجة المظاهر منها كالأم وإن دعى الرجل ابنه . وكان الظهار طلاقا في الجاهلية وكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها تجنب المطلقة ، فرد اللّه تعالى ما زعمته العرب من كونه طلاقا مزيلا للنكاح إلا أنه قرر كونه موجبا لأصل الحرمة وجعل تلك الحرمة موقتة إلى أداء الكفارة ، كما يجيء في سورة المجادلة من أنه تعالى نهى عن الظهار وجعله منكرا من القول وزورا وأوجب الكفارة