تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
وإخفاق الغاصة ومحق البركات وكثرة المضار ، أو الضلالة والظلم . وقيل : المراد بالبحر قرى السواحل وقرى البحور
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه . وقيل : ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه ، وفي البحر بأن جلندي كان يأخذ كل سفينة غصبا .
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
بعض جزائه فإن تمامه في الآخرة واللام للعلة أو للعاقبة . وعن ابن كثير ويعقوب « نذيقهم » بالنون
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 41 ) عما هم عليه .
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ
ليشاهدوا مصداق ذلك ويتحققوا صدقه .
كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ
( 42 )
شرح
العرب تسمي الأمصار بحرا . قيل : من أذنب ذنبا يكون جميع الخلائق من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر خصماءه يوم القيامة لأنه تعالى يمنع المطر بشؤم المعصية فيتضرر بذلك أهل البحر والبر جميعا . روي عن شقيق الزاهد أنه قال : من أكل الحرام فقد خان جميع الناس . قيل : أول فساد البر كان من قابيل حيث قتل أخاه هابيل ، وأول فساد البحر كان من جلندي الملك حيث كان يأخذ كل سفينة غصبا . قال الضحاك : كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان ماء البحر عذبا وكان لا يفسد الأسد البقر والغنم ، فلما قتل قابيل هابيل اقشعر ما في الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعاقا وقصد الحيوان بعضه بعضا . قوله : ( أو الضلالة والظلم ) عطف على قوله : « كالجدب والموتان » أي ويجوز أن يراد بالفساد الظاهر في البر والبحر فساد الأفعال والأخلاق كالظلم والضلالة ، كما جاز أن يراد به فساد أسباب المعاش كالجدب ونحوه مما فعله اللّه بهم بشؤم معاصيهم . فكلمة « ما » في قولهبِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِعلى الثاني موصولة والباء سببية أشار المصنف إليه بقوله : « بشؤم معاصيهم » وعلى الأول مصدرية أشار إليه بقوله : « بكسبهم إياه » واللام في قوله تعالى :لِيُذِيقَهُمْعلى الثاني للتعليل والمعنى : فعل اللّه بهم ما ظهر من فساد أسباب المعاش كالجدب ونحوه ليذيقهم بهذا الفساد ومحق البركات بعض جزاء ما عملوا . وعلى الأول للعاقبة فإن ما ظهر من الفساد في أفعالهم وأخلاقهم ليس غرضهم من كسبه أن يذيقهم اللّه تعالى وبال ما كسبوا ، لكن لما ترتب ذلك على كسبهم إياه ترتب العلة الغائية على معلولها دخل عليه لام العلة كما في قوله تعالى :فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً[ القصص : 8 ] ثم إنه تعالى لما هدد المفسدين ببيان أن المعصية سبب لتعجيل بعض العقوبة في الدنيا عقبه بقوله :قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ[ الأنعام : 11 ] وآيات أخرى . لتشاهدوا مصداق ذلك فإن أهل مكة لو سافروا منها إلى الشام لشاهدوا بلاد عاد وثمود وقوم لوط ونحوها وعلموا أنه تعالى أهلكهم بما كسبت أيديهم وخرب ديارهم وأذاقهم بعض جزاء أعمالهم القبيحة في الدنيا وهو أعلم بما يفعل بهم