تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
اللّه سرّ بهم قلبه وقرّ بهم عينه لما روي من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة . و « من » ابتدائية أو بيانية كقوله : رأيت منك أسدا . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر و « ذريتنا » وتنكير الأعين لإرادة تنكير القرة تعظيما وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم .
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
( 74 )
شرح
أن المراد بالقرة المسؤولة بها تفضيلهم بالفضائل الدينية لا بالمال والجمال ونحوهما ، فإن المتقين هم الذين تقر أعينهم بصلاح أزواجهم وأولادهم كما قيل : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين للّه . وأما غير المتقين فإنهم يحبون الدنيا وزينتها ولا تقر أعينهم إلا بما يحبونه . و « قرة أعين » منصوب على أنه مفعول « هب » وهو مصدر قولك : قرت عينه قرا وقرورا ، وصف بها الأعيان الموهوبة على أن تكون كلمة« مِنْ »في قوله :مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِناتجريدية والمعنى : اجعلهم لنا قرة عين وهو من قبيل : رأيت منك أسدا أي أنت أسد . ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى : هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح يقال : قرت به عيني وقررت به عينا أقرّ قرا وقرورا ، فهما إما من القرور أي رضيت به حتى تقر عيني فلم تطمح إلى ما فوقه ، أو من قولهم : قر يومنا من القر بالضم وهو البرد وقرر العين على هذا يكون كناية عن الفرح والسرور فإن للسرور دمعة باردة وللحزن دمعة حارة . بيّن اللّه أولا معاملتهم مع الخلق بأنهم يمشون على الأرض هونا ولا يؤذون أحدا وإذا آذاهم أهل الجهل والسفه لا يعارضونهم بالأذى ولكن يتحملون ذلك ويتجاوزون عنه ويقولون قولا سدادا . ثم بيّن معاملاتهم مع الحق ودعاءهم بالليل بقوله :وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً[ الفرقان : 64 ، 65 ] ثم أخبر عن صنعهم في أموالهم بأنهم ينفقون قواما ثم بيّن أنه مع تحليهم بهذه الفضائل التي هي أصول الطاعات يجتنبون عن أمهات المعاصي ، ثم بيّن معاملتهم مع أهليهم ودعاءهم في حقهم وفي حق أنفسهم فإن قولهم :وَاجْعَلْنايعنون به أنفسهم وذرياتهم . ومن قرأ « ذريتنا » على التوحيد نظر إلى أن اسم الذرية يطلق على الواحد والجمع ، ومن قرأه على لفظ الجمع قصد زيادة الكثرة كما يجمع لفظ القوم والرهط لذلك فيقال : أقوام وأرهاط . قوله : ( وتنكير الأعين ) أي مع أن المراد بها أعين القائلين وهي معينة فلأي شيء نكرت ؟ والجواب عنه أنه لما قصد تنكير القرة للتعظيم نكر المضاف إليه فإنه لا سبيل لك إلى تنكير المضاف إلا بتنكير المضاف إليه فنكر المضاف لذلك فكأنه قيل : هب لنا سرورا لا يكتنه كنهه . قوله : ( وتقليلها ) يعني أن القائلين جم غفير فلم قللوا أعينهم حيث عبروا عن عيونهم بجمع القلة ؟ أجاب عنه بأن عيون المتقين قليلة بالإضافة إلى الغير . وفيه أن التعبير بجمع القلة لا يكفي فيه أن يكون المعبر عنه قليلا بالإضافة إلى الغير بل يجب أن