إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
أي جنون ، ولأجله يقول ذلك
فَتَرَبَّصُوا بِهِ
فاحتملوه وانتظروا
حَتَّى حِينٍ
( 25 ) لعله يفيق من جنونه
قالَ
بعد ما أيس من إيمانهم
رَبِّ انْصُرْنِي
بإهلاكهم أو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب
بِما كَذَّبُونِ
( 26 ) بدل تكذيبهم إياي أو بسببه
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا
بحفظنا نحفظه أن تخطىء فيه أو يفسده عليك مفسد .
وَوَحْيِنا
وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع .
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا
بالركوب أو نزول العذاب
وَفارَ التَّنُّورُ
روي أنه قيل لنوح : إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك . فلما نبع الماء منه أخبرته امرأته فركب ، ومحله في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة . وقيل : عين وردة بالشام .
وفيه وجوه أخر ذكرتها في هود .
فَاسْلُكْ فِيها
فادخل فيها يقال : سلك فيه وسلك
شرح
لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم ينقاد الخلق إليهم ولا يشكون في رسالتهم . فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه تعالى لم يرسل رسولا بشرا . والشبهة الثالثة قوله تعالى حكاية عنهم :ما سَمِعْنا بِهذاأي بنوح وبما تكلم به من الحث على عبادة اللّه تعالى أو من دعوى الرسالة وهو بشر في آبائنا الأولين فإنهم كانوا لا يعولون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى الآباء ، فلذلك لم يسلكوا الطريقة بالنظر ولم يبنوا إلا على التقليد . والشبهة الرابعة قوله تعالى حكاية عنهم أيضا قولهم للعوام :إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌفإنه عليه الصلاة والسّلام كان يفعل أفعالا على خلاف عادتهم فكان الرؤساء يقولون للعوام إنه مجنون فكيف يجوز أن يكون رسولا ؟ والشبهة الخامسة قوله تعالى حكاية عنهم أيضافَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍلعله يفيق فيرجع عن قوله أو يموت على جنونه فنستريح منهم .
قوله : ( بحفظنا ) يعني أن لفظ الأعين استعير للحفظ تشبيها لحفظ اللّه تعالى إياه بجماعة الحفاظ يكلؤونه بعيونهم ، ويسمون أعينا لكون العين أعظم ما يتوسلون به إلى الحفظ فصاروا بذلك كأنهم عيون بأنفسهم ، وكذا الجاسوس يسمى عينا لذلك . قوله : ( وقيل عين وردة ) أي قيل : إن محل التنور الذي ينبع منه الماء موضع بالشام يقال له : عين وردة . قال المصنف رحمة اللّه عليه في سورة هود : وردة من أرض الجزيرة ، وقيل : التنور وجه الأرض وأشرف موضع فيها . انتهى كلامه . والمشهور أن أرض الجزيرة في ناحية ديار بكر . واللّه تبارك وتعالى أعلم . قوله : ( يقال سلك فيه ) أي دخله بنفسه وسلكه غيره ومنه الآية . ويفرق بينهما بالمصدر يقال : سلكه فيه سلكا وسلك فيه سلوكا . قرأ العامة « من كل زوجين اثنين » بالإضافة . وقرأ عاصم في رواية حفص رحمهما اللّه تعالى بالتنوين . فإن قرىء بالإضافة يكون قوله : « اثنين » مفعول « اسلك » أي اسلك فيها اثنين واسلك فيها أيضا أهلك ، فوجب أن يقدر