وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
تحية وتكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها . وقيل : معناه خرّوا لأجله سجدا للّه شكرا . وقيل : الضمير للّه تعالى والواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظا للاهتمام بتعظيمه
شرح
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِمعناه أن يوسف عليه الصلاة والسّلام أجلس أبويه معه على سرير الملك . قيل : القوم وإن اشتركوا في دخول دار يوسف عليه السّلام لكنهم تباينوا في الإيوان ، فانفرد الأبوان بالجلوس معه على سرير الملك لبعدهما من الخناء كذلك غدا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فيه وفي دخول الجنة ، ولكنهم يتباينون في بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالالتواء . ولما ورد أن يقال : كيف جاز السجود لغير اللّه تعالى على وجه التعظيم ؟ وعلى تقدير جوازه كان يعقوب أحق بذلك من يوسف عليهما الصلاة والسّلام لأن يوسف وإن كان نبيا إلا أن يعقوب كان أعلى حالا منه من حيث التقدم في النبوة ولحرمة الأبوة ومن حيث الاجتهاد في تكثير الطاعات ومن حيث إنه كان شيخا كبيرا والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ فما وجه قوله تعالى :وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداًأجاب عنه المصنف رحمه اللّه بقوله : « تحية وتكرمة له » بناء على أنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير اللّه تعالى في شريعتهم وكان تحية الناس يومئذ بعضهم لبعض بالسجود . ولم يزل تحية الناس ذلك إلى أن جاء اللّه تعالى بالإسلام فذهب بالسجود وجاء بالمصافحة . وأكثر المفسرين على أن المراد بالخرور سجدا وضع الوجه على الأرض بناء على أنه هو المتعارف المتفاهم .
وقيل : المراد به الانحناء والتواضع فإن التواضع قد يسمى سجودا كما في قوله :ترى الأكم فيها سجدا للحوافرفينبغي لهذا القائل أن يقول : الخرور ههنا بمعنى المرور كما في قوله تعالى :لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً[ الفرقان : 73 ] أي لم يمروا .
قوله : ( وقيل معناه خرّوا لأجله سجدا للّه ) وهو قول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في رواية عطاء . فمعنى الآية على هذا خروا أي لأجل وجدان يعقوب إياه شكر اللّه فذلك السجود سجود شكر والمسجود له هو اللّه تعالى ، لأن ذلك السجود إنما كان لأجله تعالى بمقابلة نعمة وجد أن يوسف . وقيل : المراد معناه خروا إليه سجدا للّه شكرا لنعمة وجدانه على أن يجعلوا يوسف كالقبلة ويسجدوا للّه تعالى ، وذلك كما يقال : صليت للكعبة وإلى الكعبة . قال حسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه :ما كنت أعرف أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسنأليس أول من صلّى لقبلتكم * وأعرف الناس بالقرآن والسّنن