قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
الخطاب لآدم وحواء أوله ولإبليس . ولما كانا أصلي الذرية خاطبهما مخاطبتهم فقال :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
لأمر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب أو لاختلال حال كل من النوعين بواسطة الآخر . ويؤيد الأول قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
كتاب ورسول
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ
في الدنيا
وَلا يَشْقى
( 123 ) في الآخرة
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
ضيقا . مصدر وصف به ولذلك
شرح
الواقعة إنما كانت قبل نبوته عليه الصلاة والسّلام . ثم اجتباه ربه أي اختاره واصطفاه وتاب عليه بالعفو عنه وهداه إلى التوبة حين قال :رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا[ الأعراف : 23 ] روي عن النبي عليه الصلاة والسّلام أنه قال : « لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود عليه الصلاة والسّلام لكان بكاؤه أكثر ، ولو جمع ذلك إلى بكاء نوح عليه الصلاة والسّلام لكان بكاء نوح أكثر وإنما سمي نوحا لنوحه على نفسه ، ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم عليه الصلاة والسّلام على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر » . قال وهب : إنه لما كثر بكاؤه أمره اللّه تعالى بأن يقول : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين . فقالها آدم ثم قال : قل لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني وأنت أرحم الراحمين . فقالها آدم ثم قال له : قل سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم . قال ابن عباس : هن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه . قوله : ( ولما كانا أصلي الذرية خاطبهما مخاطبتهم ) جواب عما يقال : خطاباهْبِطاللمثنى وهما آدم وحواء أو آدم وإبليس وما بعده من الخطاب للجمع ، فكيف جاز أن يخاطب شخصان بما يخاطب به الجماعة ؟ وتقرير الجواب أنهما وإن كانا شخصين معينين في أنفسهما إلا أنهما لما كانا أصلي ما تفرع منهما من الذرية جعلا بمنزلة الجماعة فخوطبا بما يخاطب به الجماعة ، فقال :بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّفإن ذرية آدم وحواء يتعادون لأمر المعاش وكذا ذرية آدم وإبليس يتعادون لاختلال حال كل واحد من نوعي البشر والشياطين بواسطة الآخر ، فإن نوع البشر اخرجوا من النعيم المقيم بسبب وسوسة إبليس وأن إبليس طرد من بين المقدسين ومقام العليين بسبب إبائه عن السجود لآدم . وهذا معنى اختلال كل من النوعين بواسطة الآخر .
قوله : ( ويؤيد الأول ) وهو أن يكون الخطاب لآدم وحواء لإله وإبليس . ووجه التأييد أن خطاب « يأتينكم » لا يدخل فيه إبليس وذريته لأنهم آيسون من رحمة اللّه وملعونون إلى يوم القيامة . قوله : ( مصدر وصف به ) مبالغة أو بتقدير ذات ضنك يقال : ضنك عيشه يضنك ضناكة وضنكا من باب نصر ينصر . وخلاصة المعنى أن من اتبع كتاب اللّه تعالى ومواعظ